يرى بعض الناس في منامهم أنهم يستحمون في حوض أو بركة من اللبن الدافئ، فيغمرهم بياضه وطراوته ويشعرون براحة تامة. وهذا المشهد، وإن كان يبدو ترفاً غريباً، يتكرر عند من يمرّون بتعب أو بحاجة إلى رعاية. ويجدر التنبيه إلى أن الحلم لا يُفسَّر بظاهره، فالاستحمام ليس عملاً فعلياً واللبن ليس حماماً حقيقياً، وإنما هي رموز نفسية وروحية يحاول المفسرون استنطاقها بحذر وتواضع، ولا يصح التعامل معها كأنها خبر يقين عما سيكون.
الاستحمام في الرؤى يرتبط عند كثيرين بالتطهر وإزالة الهموم والذنوب والتخفف من الأعباء، والماء يعبّر عن الحياة والنقاء. أما اللبن فهو رمز الرزق الحلال والفطرة والغذاء النافع والحنان. فإذا اجتمعا في صورة واحدة فقد تتجه القراءة إلى معنى التنقية المصحوبة بالرعاية والنعيم، أي تطهر النفس والحال مع شعور بالاحتضان والأمان. وهذا من باب الأمل وحسن الظن، لا من باب الجزم أو الوعد.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الاستحمام يدل على زوال الهم والنجاة من الضيق وتجدد الحال، وأن اللبن يدل على الفطرة والرزق الطيب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الاغتسال بالماء الطاهر قد يشير إلى التوبة والرجوع إلى الصفاء. فتكون القراءة المركبة أن الرائي قد يمر بمرحلة صفاء وتجدد. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في تقدير الدلالات، فمنهم من رأى المال والنعمة، ومنهم من رأى العافية، ومنهم من رأى الرجوع إلى الأصل، فلا يوجد قول قاطع يُعتمد.
ويختلف المعنى بحسب السياق، فإن كان اللبن نقياً دافئاً والإحساس عند الاستحمام مريحاً فذلك أقرب إلى الدلالة الحسنة، وإن كان لزجاً متغير الرائحة أو كان الرائي يتضايق منه فقد يشير إلى تعلق بأمر لا يرتاح له أو إلى حرص على التنقية من شبهة ما. ويُنظر كذلك إلى المكان، أهو بيت أم حمام عام أم بحيرة، وإلى الحضور، أهو وحده أم مع آخرين، وإلى درجة حرارة اللبن، فكلها خيوط تحدد اتجاه التأويل.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على نقاء صورتها وطيب سمعتها وعلى شعورها بالطمأنينة، وقد تعبّر عن رغبة في الاعتناء بنفسها وراحتها، وربما عن مرحلة جديدة هادئة. وللمرأة المتزوجة قد تدل على عناية بالأسرة والبيت وراحة بعد عناء، وقد تشير إلى حاجتها الشخصية إلى الاهتمام والتدليل. وللحامل قد تُحمل الصورة على سلامة وراحة، وللمرضع على حاجة إلى الاستجمام بعد جهد في الرعاية.
وللرجل قد يدل الاستحمام باللبن على التخلص من همّ ثقيل أو ضائقة مالية، وعلى رزق حلال يأتي بعد صبر، وعلى حسن في الخلق والسمعة، على سبيل التفاؤل. وقد يكون المنام عند من يمر بأزمة تعبيراً عن رغبته الجامحة في الراحة والتجدد. وأما من كان يحمل في نفسه ندماً على تقصير فقد تُقرأ الصورة عنده دعوة إلى التوبة والرجوع، فيستثمر ذلك بالدعاء والإصلاح لا بالانتظار فقط.
ومن التفاصيل المفيدة أن ننتبه إلى ما بعد الاستحمام، فإن خرج الرائي نظيفاً مرتاحاً فهذا أدعى لحسن الفأل، وإن بقي اللبن عالقاً به أو شعر بثقل فقد يشير إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الصبر. وإن رأى غيره يستحم معه فقد يدل ذلك على شراكة في الخير أو قرب من أحبائه، وإن رأى أحداً يغسله فقد يدل على من يعتني به ويقدم له العون. وللثياب التي يرتديها بعد ذلك دلالة أخرى في الحلم.
وفي الجانب النفسي، يعكس هذا الحلم غالباً حاجة عميقة إلى الاحتواء والراحة والتخلص من ضغوط تراكمت. فاللبن مرتبط في الذاكرة الأولى بالأمان والحنان، والاستحمام به يستحضر صورة العودة إلى الطمأنينة الأولى. والعملي أن يهتم الإنسان بنفسه وجسده وقلبه، ويعطي لنفسه فرصة للراحة، ويحسن إلى أهله، ويلجأ إلى الله بالذكر والدعاء، فهذه هي الأسباب الحقيقية للطمأنينة.
ومما يقرّب الصورة إلى الواقع أن التطهر والراحة من الحاجات الإنسانية العميقة، فالناس بعد أيام مجهدة يتوقون إلى لحظة صفاء تعيد إليهم نشاطهم وتخفف عنهم ما علق بنفوسهم. وقد يأتي الحلم ليلبي هذه الحاجة رمزياً في ليلة مرهقة، من غير أن يكون له معنى غيبي محدد. ولذلك يستحسن أن يسأل الرائي نفسه هل هو بحاجة فعلاً إلى راحة أو إلى صلح مع نفسه أو مع غيره، فإن وجد ذلك فليبادر إليه بما يستطيع، من نوم كافٍ ومصالحة وذكر وصدقة وتخفيف من الأحمال الزائدة، فهذا أنفع من أي تأويل.
وأخيراً فإن كل ما قيل هنا اجتهاد بشري ظني لا يقطع بشيء من الغيب، ولا ينبغي أن يكون مدار قرار في الحياة العملية أو الأسرية. فمن رأى خيراً فليحمد الله وليحسن به الظن، ومن رأى ما يزعجه فليستعذ بالله ويطلب منه العافية، وليعلم أن علم ما سيكون عند الله وحده، وأن الدعاء والعمل الصالح أنفع ما يقدمه الإنسان بعد أي رؤيا.
