من الرؤى المألوفة أن يرى النائم نفسه يشرب اللبن، فيتناوله كوبًا بعد كوب ويشعر بطعمه الهنيء ودفئه في جوفه، ثم يستيقظ وفي قلبه شيء من الراحة. وهذه الرؤيا شائعة بين الرجال والنساء على السواء، وكثيرًا ما يسأل أصحابها عن دلالتها. وينبغي أن يُفهم أن التعبير هنا رمزي، فالشرب في الحلم لا يعني بالضرورة شيئًا يتعلق بالطعام والشراب في الواقع، بل قد يشير إلى معنى أوسع كتلقّي الرزق أو العلم أو الراحة.
والشرب في عالم الرموز فعلُ تلقٍّ وانتفاع؛ فالإنسان لا يشرب إلا ما يحتاجه ويرتوي به. فإذا اقترن الشرب باللبن الذي يرمز إلى الغذاء الطيب والرزق الحلال، كان المعنى العام أقرب إلى انتفاع الرائي بخير يصله بطريق مشروع. ويرتبط اللبن كذلك بالفطرة وصفاء السريرة، فقد يُفسَّر شربه بميل إلى الاستقامة وسلامة الاتجاه، وقد يُفسَّر بنيل علم أو حكمة تُسقى إلى القلب شيئًا فشيئًا.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما رواه عنه أهل التعبير أن شرب اللبن يدل على مال حلال وعلى فطرة سليمة، وربما دل على الحياة الطيبة لمن شرب منه صافيًا. وذهب بعض المفسرين، ومنهم النابلسي في بعض ما نُقل عنه، إلى أن شرب اللبن يشير إلى رزق قريب المنال لا مشقة فيه، وإلى علم يصيبه الرائي. ومع ذلك تباينت الأقوال في تفاصيل ذلك، ولا يصح أن يُنزَّل قول منها على كل رائٍ على حدّ سواء.
ويتغير المعنى بحسب تفاصيل الشرب: هل كان اللبن حلو الطعم، منعشًا، مستساغًا؟ فذلك أقرب إلى الخير والرضا. وهل كانت الكمية قليلة أم كثيرة؟ فالقليل قد يشير إلى رزق يسير مبارك، والكثير إلى سعة ووفرة. وهل شربه الرائي بنفسه أم سُقي إياه من أحد؟ فإن سقاه أحدٌ فالمعنى قد يتعلق بخير يأتي من جهة ذلك الشخص ومعروف يصنعه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون شرب اللبن إشارة إلى راحة نفسية وبداية خير في دراستها أو عملها أو في علاقاتها، وأملٍ بحياة هادئة. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن استقرار البيت وحسن العشرة وبركة في الرزق. وللحامل قد يكون رمزًا لطمأنينة وغذاء طيب، وهو من الرؤى التي كثيرًا ما تعكس احتياج الجسد والنفس إلى الراحة والعناية، فلا يُحمّل أكثر من ذلك.
وأما الرجل فقد يرى فيه المفسرون إشارة إلى كسب حلال أو زيادة في العلم أو راحة بعد تعب. وقد يتصل بعمله أو تجارته إذا كان في حال سعي، وربما اتصل بطلب العلم إذا كان طالبًا، أو بحسن الصلة إذا كان في خصومة وأراد الله أن يصلح ذات البين. وكل ذلك احتمالات لا يجزم بها أحد، وإنما هي أقوال أهل العبارة التي تُروى على سبيل الاجتهاد.
ومن دقائق الرؤيا حرارة اللبن وبرودته وصفاؤه وطعمه؛ فالبارد المنعش قد يشير إلى راحة وطمأنينة، والفاتر المعتدل إلى رزق متوازن، وإن وجد الرائي طعمًا غير مستساغ فقد يدل ذلك على أمر يحتاج إلى تدقيق. كما يُنظر إلى المكان الذي شرب فيه، فشربه في بيته غير شربه في سوق أو في مكان مجهول، ولكل ذلك أثر في تحديد الوجه الأقرب للمعنى.
ومن جهة نفسية، قد يكون شرب اللبن في الحلم انعكاسًا لحاجة إلى الراحة والتغذية الروحية والعاطفية، أو لرغبة في العودة إلى بساطة الحياة وصفائها. وربما جاء بعد أيام من الإرهاق أو القلق فكان أشبه برسالة تهدئة من الباطن. ويحسن بمن رأى ذلك أن يتأمل في نعم الله عليه، ويشكرها، ويعتني بنفسه وبمن يعول، ويسعى في الحلال.
ومما يُلتفت إليه في رؤيا الشرب أن يتأمل الإنسان ما سبقها من أحوال، فقد يكون صائمًا أو عطشان أو متعبًا قبل نومه، فيأتيه الحلم صدى لحاجة الجسد، وهذا من الأحلام النفسية التي لا تحمل رسالة خاصة. وقد قسّم أهل العلم الرؤى إلى ما هو بشرى حسنة وما هو حديث نفس وما هو من تهويل الشيطان، والتمييز بينها يحتاج إلى سكينة وتأمل، لا إلى استعجال في الحكم. فمن وجد في قلبه راحة بعد الاستيقاظ فليأخذ ذلك باعتدال دون مبالغة، ومن وجد قلقًا فليهدّئ نفسه بالذكر والدعاء ولا يلتفت إلى الوساوس.
وليحرص الرائي كذلك على ألا يجعل من هذه الرؤيا سببًا للتفاخر أو للتشاؤم، فهي في أحسن أحوالها بشارة لطيفة وفي أسوئها حديث نفس عابر. ومن تأمل أحوال الناس وجد أن أكثر ما يرونه في منامهم صدى لما يشغل أذهانهم نهارًا، فالأولى أن يجعل الإنسان منها تذكرة للشكر والاعتدال.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج. وعلى من رأى رؤيا حسنة أن يحمد الله ويحسن الظن به، وأن يتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فاللهم ارزقنا الرزق الطيب والعلم النافع، وأعذنا من القلق والوساوس، وهو سبحانه أعلم بما ستؤول إليه الأمور.
