قد ترى المرأة، أو الرجل أحيانًا، في المنام لبنًا يتدفق من الثدي دون سبب ظاهر، فتشعر بالدهشة أو بالحرج، وربما بالحنان. وهذه الرؤيا ذات طابع حساس، ولذلك يحسن أن تُفهم بهدوء ووقار، فهي صورة رمزية لا تدل على أمر جسدي بعينه. وسنتناولها بما يليق من الاحترام، مع التأكيد على أن التفسير مجرد اجتهاد يُستأنس به ولا يُجزم بصحته.
اللبن في أصله أول غذاء يمنحه الإنسان لغيره، فإذا ظهر في المنام متدفقًا من الثدي فهو رمز قوي للعطاء بلا حدود، والحنان الذي يتفجر من القلب. وقد يرتبط بالأمومة بمعناها الواسع، أي الرعاية والحماية وبذل النفس، وليس بمعناها البيولوجي فقط. ويقترن اللبن كذلك بالرزق الطيب والفطرة، فيكون التدفق دليلًا عند بعضهم على سعة العطاء وبركة ما يُبذل.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما نقله أهل العبارة أن اللبن في المنام يدل على المال الحلال والفطرة، وأن الثدي رمز يتصل بالنساء والأمومة وما يُستفاد من ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اللبن يدل على الرزق والعلم بحسب حال الرائي. ومع ذلك لم يتفق المفسرون على معنى جامع لتدفق اللبن من الثدي، فمنهم من حمله على الخير والبركة، ومنهم من خصّه بالمعنى الأسري، ومنهم من رده إلى حال النفس.
ويؤثر في المعنى حال التدفق؛ فإن كان هادئًا مريحًا دون ألم فهو أقرب إلى الراحة والبركة، وإن صاحبه ضيق أو ألم فقد يشير إلى عبء عاطفي أو انشغال بحمل ما لا يُطاق. ويُنظر كذلك إلى لون اللبن وصفائه، وهل كان في الحلم من يستقبله أم ضاع على الأرض، فالانتفاع به أقرب إلى الخير، وضياعه قد يشير إلى جهد لا يُقدَّر أو عطاء لا يجد من يقابله.
وللمرأة المرضع قد تكون الرؤيا انعكاسًا مباشرًا لحالها اليومية وانشغالها بطفلها، فلا تحمل بالضرورة معنى غيبيًّا. وللمرأة المتزوجة غير المرضع قد تدل على اشتياق إلى الأمومة أو على سعة صدر في رعاية الأهل. وللحامل قد تكون صدى لتغيرات جسمها وتوقعاتها، وهي في الغالب حديث نفس مطمئن. أما الفتاة غير المتزوجة فقد تعبّر الرؤيا عندها عن حنان فطري وطاقة عطاء تنتظر أن تجد مجالها المناسب.
وأما الرجل إذا رأى هذه الصورة فيُحمل الأمر على أن في نفسه عطاءً ورعاية لمن حوله، وعلى رغبة في القيام بحق أسرته، ولا يلحقه من ذلك أي عيب أو حرج. فالرؤيا رمزية، وكثيرًا ما تعني استعدادًا لتقديم الخير والنصح والعلم للآخرين. وقد يرى بعضهم فيها معنى الإنفاق في وجوه الخير، وأن ما يتدفق هو مال أو علم أو كلمة طيبة تصل إلى من يحتاجها.
ومن الدقائق أن يُنظر في المكان الذي ظهر فيه التدفق وحال الرائي النفسية فيه؛ فالبيت الدافئ غير مكان غريب مزدحم، والراحة غير الارتباك. وإن كان في الحلم طفل قريب يستقبل اللبن فإن ذلك قد يدل على عطاء موجه إلى شخص بعينه، وإن لم يكن أحد فالمعنى أقرب إلى عطاء عام. ولون اللبن ورائحته وقوامه كلها قرائن تُراعى، وإن بقيت في حدود الظن لا القطع.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد تعكس هذه الرؤيا شعور الإنسان بأنه يعطي كثيرًا ويحتاج إلى من يقدّر عطاءه، أو رغبة في تحويل طاقة الحنان إلى عمل نافع. وقد تأتي في مراحل التغيّر كأن تنتقل المرأة إلى دور جديد في حياتها. والحل المناسب في كل ذلك أن يعتني الإنسان بنفسه وهو يعتني بغيره، فإن من لا يملأ كأسه لا يستطيع أن يروي به أحدًا، كما يقول الناس.
ولا بأس للإنسان أن يخرج من هذه الرؤيا بتوجّه إيجابي كأن يتصدق أو يحسن إلى والدين أو أبناء أو يتعلم علمًا يفيد به الآخرين، فهذا كله من العطاء المبارك. فإن كان في قلبه قلق من الرؤيا فليسكن إلى أنها لا تحمل شرًّا بذاتها، وأن حسن الظن بالله أولى. وكثير من الرؤى مصدرها فكر النهار ومشاعره، ولا يستلزم كل منها معنى خاصًّا.
وقد يرى بعض أهل التعبير أن كثرة اللبن المتدفق قد تكون إشارة إلى سعة في الرزق أو علم يفيض على صاحبه فينفع به غيره، وأن قلته قد تكون إشارة إلى الحاجة إلى التؤدة وعدم الاستعجال. وهذه كلها استنباطات ظنية، فلا ينبغي للرائي أن يشغل بها باله طويلًا، بل يكفيه أن يأخذ منها معنى الرحمة والعطاء ويمضي في حياته مطمئنًا إلى فضل الله.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُتخذ سندًا لقرار حقيقي في الأسرة أو المال أو العمل. ومن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله ولا يحدث به أحدًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فنسأله أن يبارك في عطائنا ويجعل ما نبذله خالصًا لوجهه الكريم.
