يرى بعض الناس في منامهم شيخاً كبيراً أو عجوزاً يشرب اللبن أو يُقدَّم له، وقد يكون الأب أو الجد أو الجدة أو أحد كبار الأهل أو شخصاً مجهولاً وقوراً. وهذه الرؤيا تحمل في العادة دفئاً وحناناً، وتتكرر عند من يعيشون قرب كبار السن أو يشتاقون إلى من فقدوهم منهم. ويلزم التنبيه إلى أن الحلم لا يُؤخذ على ظاهره ولا يُعد خبراً بحال المسن أو مستقبله، فهو لغة رمزية نفسية يجتهد فيها المفسرون بقدر من الظن، وليس فيها جزم ولا يقين.
كبير السن في الرؤى يرمز غالباً إلى الوقار والحكمة والأصل والبركة والتجربة، وقد يرمز أيضاً إلى الضعف الذي يحتاج إلى رعاية. واللبن غذاء لين سهل الهضم، فهو رمز للرزق الطيب والفطرة والحنان. فيمكن أن تُقرأ الصورة على أنها معنى البر والإحسان إلى الكبار وتقديم الغذاء الطيب لهم، أو على أن الرائي يستمد من حكمة الأكبر منه غذاء لروحه، أو على أن نعمة السكينة تحيط بمن يوقّر من هو أكبر منه. وكل ذلك قراءة احتمالية تصحبها نية حسنة.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الشيخ في المنام يدل على الجاه والمنزلة والوقار، وأن اللبن يدل على الفطرة والرزق الصافي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُطعم للأكابر في الرؤيا من الطيبات قد يشير إلى صلة وبر ورزق مبارك. وعلى هذا يُحمل الجمع بين الأمرين على معنى حسن العلاقة مع الكبار ونيل بركتهم. غير أن أهل التعبير اختلفوا في بعض التفاصيل، فبعضهم رأى المعنى مالياً وبعضهم أسرياً وبعضهم روحياً، ولا يوجد قول قاطع يُعمل به.
ويتغير التفسير بتغير الحال، فإن كان المسن يشرب اللبن بسرور وشهية فقد يُقرأ ذلك على رضاه وراحته وعلى بركة في صلة الرائي به. وإن كان يرفضه أو لا يستطيع شربه فقد يعبر عن قلق على صحته أو شعور بالعجز عن تقديم ما ينفعه. وإن كان الرائي هو من يطعمه بيده فذلك يعبر عن بر وحنان، وإن كان المسن هو من يسقي الرائي فقد يدل على عطاء وعلم يناله من الأكبر منه. وكذلك طراوة اللبن وحرارته وإناؤه تؤثر في الدلالة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على بر بجدها أو أبيها أو على نيل دعاء صالح من كبير تحبه، أو على شوقها إلى حكمة ونصيحة توجهها. وللمرأة المتزوجة قد تدل على صلتها بوالديها ووالدي زوجها ورعايتها لهم، وهو باب كبير من أبواب الخير. وللحامل قد تعبّر عن رغبتها في سند الكبار وخبرتهم، وللمرضع عن ارتباط الأجيال في رعاية بعضها بعضاً. وهذه قراءات عامة قد تصيب وقد لا تصيب.
وللرجل قد تتصل الرؤيا ببر أبيه وأمه أو بتحمل مسؤولية أقاربه الكبار، وقد تكون رمزاً لسعي في رزق حلال ينفق منه على أهله، أو لنيل بركة من كبير في العائلة. وإن كان المسن قد فارق الدنيا وهو يشرب اللبن في الحلم فقد يكون ذلك أثراً من الشوق والذكرى، ويحسن أن يقابل بالدعاء له والصدقة عنه والترحم عليه، وهذه من أبواب البر المشروعة التي لا تتوقف على المنام ولا تحتاج إلى علامة.
ومن الدقائق أن ننتبه إلى الحال العام للمسن في الحلم، فإن كان بشوشاً قوياً فذلك أقرب إلى الاطمئنان، وإن كان واهناً حزيناً فقد يعكس قلقاً أو تذكيراً بتقصير يمكن تداركه بزيارة واتصال. ويُنظر إلى مكان اللقاء، فإن كان في بيت عائلي قديم فقد يدل على حنين إلى الجذور، وإن كان في مكان جديد فقد يدل على بداية مرحلة. كما أن حضور آخرين حول المسن قد يعكس اجتماع الأسرة وتماسكها.
وفي الجانب النفسي، قد يعبر الحلم عن رغبة داخلية في الوفاء لكبار السن، أو عن خوف من فقدانهم، أو عن حاجة إلى حنانهم ودعائهم. واللبن يضيف معنى اللين واللطف، فيدعو إلى التعامل مع الكبار برفق وصبر، فإنهم يحتاجون إلى كلمة طيبة قبل أن يحتاجوا إلى طعام. وقد يكون الحلم تذكيراً بزيارة قريب انقطعت عنه الأخبار أو الاتصال بجدة تنتظر صوتاً، والعمل الواقعي هنا أبلغ من أي تأويل.
ولا بأس أن يتذكر الرائي أن توقير الكبار وبرهم من الأخلاق الفاضلة التي حثت عليها الشرائع والأعراف الطيبة، وأن أثر ذلك يعود على الإنسان بالبركة وراحة الضمير. فإن كان في الرؤيا ما يدعو إلى ذلك فليأخذ منه الدافع للإحسان دون أن يعلق به قلقاً أو خوفاً. وليحذر أن يجعل من الحلم سبباً لسوء الظن بأحد أو لتوقع مكروه لمسن في أهله، فإن الأعمار والأرزاق بيد الله وحده، والأولى الاشتغال بالدعاء والإحسان.
وختاماً، فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني لا يصل إلى مرتبة العلم اليقيني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه موقف أو قرار يخص صحة أحد أو شأنه. فمن رأى ما يسره فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يقلقه فليدعُ لكبار أهله بالعافية وحسن الخاتمة، وليعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه سبحانه أرحم بعباده وأعلم بما يصلحهم من أي تعبير.
