قد يرى الإنسان في منامه مريضاً يُسقى اللبن أو يشربه بنفسه، وقد يكون المريض هو الرائي أو قريباً له أو شخصاً لا يعرفه. وهي رؤيا تحمل في العادة مشاعر مختلطة من الشفقة والرجاء، وتتكرر عند من يعاني من وعكة أو يرافق مريضاً في بيته أو في المستشفى. ومن المهم أن نؤكد منذ البداية أن الحلم ليس تشخيصاً ولا بشارة طبية ولا إنذاراً، فهو صورة رمزية تتأثر بالحالة النفسية، ولا تُغني بحال من الأحوال عن مراجعة الطبيب والالتزام بالعلاج.
المرض في الرؤى قد يُفسَّر بالهم أو الضعف أو ضيق الحال أو الحاجة إلى الرعاية، بحسب حال الرائي وسياق الحلم. واللبن رمز للغذاء الصافي والرزق الحلال والفطرة والحنان، وهو من أكثر ما يُقدَّم للضعفاء والصغار. فاجتماعهما قد يُقرأ على أنه معنى الرفق بالضعيف وتقديم الغذاء النافع والسند، أو معنى الاطمئنان إلى أن العناية حاضرة وأن اليد الحانية قريبة. وهذه قراءة رمزية على سبيل الأمل وحسن الظن بالله، وليست وعداً بشفاء أو توقعاً لحال.
ونُسب إلى ابن سيرين أن اللبن يدل على الفطرة والرزق الطيب، وأن من شربه فهو على خير بقدر ما شرب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُقدَّم للمريض في الرؤيا من الطعام الطيب قد يدل على فرج وتخفيف بحسب نوعه. غير أن المفسرين اختلفوا في تقدير هذه المسائل، فبعضهم يحمل رؤية المريض على الهم، وبعضهم على الحاجة إلى الصلة والبر، وبعضهم على قرب الفرج، ولا يوجد حكم جامع، ولا ينبغي لأحد أن يعتمد على ذلك في أمر صحي.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل، فإن كان اللبن طازجاً لطيفاً والمريض يشربه براحة وهدوء فهذه صورة تدعو إلى الطمأنينة. وإن كان يرفضه أو يتألم منه فقد تُقرأ على قلق الرائي من الموقف أو على حاجته إلى نوع آخر من العناية غير ما يقدمه. وإن كان اللبن فاسداً أو الإناء غير نظيف فقد يشير إلى تنبيه إلى حسن الاهتمام بالمريض والنظافة والتفاصيل الدقيقة في الرعاية. ويُنظر كذلك إلى من يقدم اللبن، أهو الرائي أم قريب أم ممرض، فذلك يبين موقعه من الأمر.
وللفتاة غير المتزوجة قد تعبّر الرؤيا عن رحمتها بمن حولها وقلقها على من تحب من أهل أو صديقات، وقد تعبّر عن حاجتها هي إلى من يعتني بها في ضعفها. وللمرأة المتزوجة قد تتصل الرؤيا بانشغالها بأسرتها ومرضاها وحرصها على راحتهم، وقد تشير إلى سكينة تتمناها لبيتها. وللحامل قد تعكس قلقاً مشروعاً على الصحة وطلباً للطمأنينة، وللمرضع قد تعكس مزيجاً من الإرهاق والحرص على سلامة طفلها.
وللرجل قد يكون المنام ترجمة لمسؤوليته عن مريض في أهله، أو لقلقه من اعتلال صحته هو، أو لرغبته في رد جميل والديه عليه حين يضعفان. وقد يحمل معنى الإحسان إلى الضعفاء وعيادة المرضى والمساهمة في العلاج والدعاء، وهي أعمال حسنة يمكن للرائي أن يقوم بها واقعاً. وإن كان هو المريض في الحلم وهو يشرب اللبن فقد تدل الصورة على رغبته في الراحة والسند، ولا يصح أن تُتخذ دليلاً على تحسن أو تدهور.
ومن التفاصيل التي قد تُلاحظ مكان المريض، أهو في سرير في بيته أم مستشفى، وحال الإضاءة والهدوء في المكان، وهل حوله أهله أم هو وحده. فإذا كان حوله أحبابه يدعون له فقد تدل الصورة على دعم اجتماعي وروحي، وإذا كان وحده فقد تدل على شعور بالوحدة يحتاج إلى معالجة بالتواصل. وقد يتغير اتجاه التفسير إذا كان الشخص الذي يشرب اللبن شخصاً متوفى أو بعيداً، فيكون الأمر غالباً من الحنين لا من التنبؤ.
وفي الجانب النفسي، تتشكل مثل هذه الأحلام عند من يعيشون في أجواء المرض أو الخوف عليه، وهي طريقة العقل لتفريغ القلق وتخيّل صور مطمئنة. وقد يكون اللبن هنا رمزاً لأبسط أشكال الرعاية التي يستطيع الإنسان أن يقدمها وسط عجزه عن تغيير القدر. ومن الخير أن يستثمر الرائي هذا الشعور في الدعاء للمريض وزيارته ومساعدته بما يستطيع، وأن يتذكر أن الشفاء بيد الله وأن الأخذ بالأسباب الطبية واجب على قدر الاستطاعة.
وينبغي كذلك أن يحذر الرائي من أن يجعل الحلم ذريعة لترك العلاج أو لتأخير زيارة الطبيب أو لتجاهل أعراض مقلقة، فالأحلام لا تشخص ولا تعالج. ومن اشتد به الخوف بعد رؤيا من هذا النوع فليحدّث من يثق بهم من أهله وأصحابه، وليطلب العون والمشورة من أهل الاختصاص عند الحاجة. وفي الدعاء والصبر والتوكل ما يخفف على القلب كثيراً من الأحمال، ومن أحسن الظن بالله فتح له من أبواب الفرج ما لا يخطر بباله.
وفي ختام المقال نقول إن كل ما تقدم اجتهاد بشري ظني، لا يرقى إلى معرفة الغيب ولا يصلح أساساً لأي قرار طبي أو غير طبي. فمن رأى ما يسره فليحمد الله ويحسن به الظن، ومن رأى ما يؤلمه فليدعُ للمرضى بالشفاء والعافية ويكثر من الذكر، وليعلم أن الشفاء من الله وحده، وأن علم ما سيكون لا يعلمه إلا هو سبحانه، وأن رحمته بعباده أعظم من كل ما يخشونه.
