قد يرى الإنسان في منامه سمناً ذهبياً صافياً في وعاء، يُصنع من اللبن بعد تسخينه وتصفيته، أو يرى قدراً تُسكب فيها الزبدة فتذوب وتصفو، أو يغرف من برطمان السمن ليطعم به أهله. وهذا المشهد مألوف في البيوت الريفية والعربية القديمة وما زال حاضراً في كثير من المطابخ، وفيه رائحة عطرة تحرك الذكريات. ومن الواجب أن يُعلم أن الحلم رمز نفسي لا يُقرأ بظاهره ولا يخبر بحدث بعينه، وتفسيره اجتهاد ظني يُقدم بحذر وتواضع، ولا يُبنى عليه قرار.
السمن هو الزبدة بعد أن أُذيبت وصُفيت من الماء والشوائب، فهو خلاصة اللبن في أنقى صورة وأطولها بقاءً، يحفظ الزمن الطويل ولا يفسد بسرعة. ولذلك فقد يُقرأ في المنام على أنه خير مصفّى مدخر، أي رزق نقي بعد تنقية، ونعمة تدوم وتبقى، وبركة تُحفظ للأوقات الصعبة. وفيه كذلك معنى الغنى والقيمة، فقد كان السمن عند كثير من الناس من أنفس ما يُدخر. وهذه المعاني تُقال على سبيل التأمل والرجاء وحسن الظن بالله، ولا يُجزم بأي منها.
ونُسب إلى ابن سيرين أن اللبن يدل على الفطرة والرزق الطيب، وأن السمن قد يدل على مال أو خير مصفّى بحسب سياقه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُستخرج من الطيبات بعد التنقية يدل على كسب نقي أو فائدة خالصة. غير أن المفسرين اختلفوا في السمن بخصوصه، فمنهم من رأى فيه مالاً أو سعة عيش، ومنهم من رأى فيه صلاحاً أو قوة، ومنهم من اكتفى بدلالة الخير العام، فلا يوجد قول جامع يُعتمد عليه، والأولى فهم المشهد في سياق حال الرائي.
ويتغير المعنى بتغير الحال، فإن كان السمن صافياً ذهبياً عطر الرائحة وقوامه حسن فذلك أدعى للتفاؤل. وإن كان متغير الرائحة أو غليظاً مكدّراً أو محترقاً فقد تعبر الصورة عن تنقية لم تكتمل أو استعجال أفسد النتيجة أو حاجة إلى أناة. وإن كان الرائي يصنعه بنفسه فقد يدل على جهد وتنقية في عمله أو أخلاقه، وإن كان يهدى إليه فقد يدل على كرم وصلة، وإن كان يحفظه في برطمان مغلق فقد يدل على ادخار وتدبير. وإن كان يستعمله في الطعام فقد يدل على إكرام الأهل.
وللفتاة غير المتزوجة قد تتصل الرؤيا بصفاء نيتها وتنقية أمورها وترتيب أولوياتها، وبنموها وتفتحها كخلاصة تجارب. وللمرأة المتزوجة قد تعبر عن إدارتها لبيتها وحفظها لما يلزم أسرتها، وبراعتها في صنع الطيب من البسيط. وللحامل قد تعبر عن رغبتها في تغذية صحية وتجهيز، وللمرضع عن اهتمام بجودة الغذاء. وهذه قراءات عامة قريبة من واقع حياتها، والأولى ألا يُحمل الحلم أكثر من ذلك، وأن تتبع إرشاد الطبيب في التغذية وقت الحمل والرضاعة.
وللرجل قد يدل الحلم على كسب نقي وسعة بعد عناء، وعلى ادخار طيب أو توفير لأوقات الحاجة، وعلى قوة وحسن حال. وقد يعبر عن مرحلة أصبحت فيها أعماله وعلاقاته أكثر صفاء بعد تجارب وتصفية، كما يصفو السمن بعد الغليان. وإن كان تاجراً فقد يتصل الحلم ببضاعة أو علاقة طيبة. ولا يصح أن يُبنى على ذلك قرار مالي أو استثمار، فإن الاحتياط والتخطيط والمشورة هي الطريق الصحيح، والمنام لا يغني عنها.
ومن الدقائق أن ننظر إلى مراحل صنع السمن، فالتسخين الهادئ قد يعبر عن أناة محمودة، والرغوة التي تظهر وتُزال قد تعبر عن إزالة ما يشوب الصفاء، والقوام الرائق عن تمام التنقية. وكذلك لون السمن، فالذهبي الصافي أبشر من الداكن، والرائحة الزكية أدل على الجودة. وإن رأى الرائي أنه يطعم منه ضعيفاً أو مريضاً أو يدهن به شيئاً فقد يدل على عناية وإحسان. وهذه تفاصيل تأملية لا تُعد قواعد قطعية، وهي مجرد إشارات تُستأنس بها.
وفي الجانب النفسي، يعبر الحلم عن مرحلة تنقية داخلية أو عن رغبة في ترك الشوائب والاحتفاظ بالجوهر، وهو معنى ينسجم مع حاجة الإنسان بين حين وآخر إلى مراجعة حياته، فيحتفظ بما ينفعه ويترك ما يثقل قلبه من الضغائن والهموم وكثرة الاهتمامات. ومن أجمل ما يمكن أن يُستفاد من هذه الصورة أن النقاء يأتي بعد حرارة وصبر، وأن التجارب الصعبة قد تصنع خلاصة نافعة. وهذا لا يعني التماس المشقة، وإنما حسن استثمارها حين تقع.
وعملياً فإن على من أراد أن يستفيد من الرؤيا أن يعتني بتصفية أمره من الغش والشبهات والعلاقات المرهقة بقدر الاستطاعة، وأن يقصد الحلال الطيب في رزقه، وأن يدخر قدر حاجته دون بخل ولا إسراف، وأن يتصدق مما رزقه الله. فالصدقة تطهّر المال وتبارك فيه، والادخار المعتدل يعين على الأزمات، والبعد عن المشتبه يريح الضمير. وهذه أمور واقعية أنفع من أي تأويل، وهي ما يصنع بركة الرزق حقاً.
وفي الختام نقول إن كل ما تقدم اجتهاد بشري ظني لا يقطع بالغيب، ولا يصلح أساساً لقرار في الادخار أو الاستثمار أو الغذاء أو العلاج. فمن رأى ما يسره فليحمد الله ويحسن به الظن، ومن رأى ما يقلقه فليستعذ بالله ويدعُه بالبركة والعافية ولا يسترسل مع الوساوس، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يحفظ النعم لمن شكره ويزيدها لمن أحسن التصرف فيها.
