قد يرى النائم أنه يهدي اللبن إلى جاره أو قريبه أو صديقه، فيحمل إناءً أو زجاجة ويقدمه له بابتسامة، أو يرسل به مع أحد. وهي صورة دافئة تحمل معنى الكرم والمودة، وقلما تُشعر صاحبها بالقلق. ومع ذلك فهي رؤيا رمزية يُجتهد في تعبيرها، فلا تُحمل على الحرفية، ولا يُجزم بما يقع بسببها، وإنما هي معانٍ يتأملها الإنسان على سبيل الاستئناس بما قاله أهل العلم.
الإهداء في الرموز عطاء لا يُنتظر عنه مقابل مادي، وهو يدل على المودة وصلة الرحم وتأليف القلوب. واللبن رمز للرزق الحلال والفطرة والنفع، فإذا أهداه الرائي دل ذلك في عمومه على بذله من خير ما عنده، وعلى إحسانه إلى من حوله، وربما على علم أو نصيحة يقدمها بلطف. ويحمل المشهد معنى تبادل المحبة، فالهدية ترفع الجفاء وتزيد الألفة، وهو معنى جميل يتصل بالأخلاق الحسنة التي تبارك في الحياة.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما رواه أهل التعبير أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن الهدية تدل على المودة وجلب القلوب بحسب المُهدَى إليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن العطاء في المنام قد يدل على خير يعود على صاحبه. وقد اختلف المفسرون في تفصيل ما يعود على المهدي، فمنهم من رأى أنه يلقى مثله أو أحسن، ومنهم من اكتفى بالدلالة على حسن الخلق، وكل ذلك من الاحتمال.
ويتغير المعنى بحسب المهدَى إليه والكيفية؛ فإن كان المُهدَى إليه قريبًا أو جارًا فالمعنى يتصل بصلة الرحم وحسن الجوار، وإن كان فقيرًا فالمعنى أقرب إلى الصدقة والإحسان، وإن كان صاحب منصب فقد يتصل بطلب مودته أو الحاجة إليه. ويُنظر هل قبل الهدية بسرور أم ردّها، فإن قبلها فالخير مأمول، وإن ردّها فقد يشير إلى جفاء أو سوء فهم يحتاج إلى معالجة بالحكمة واللين.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على حسن خلقها ومودتها وعلى علاقة طيبة مع الأهل أو الصديقات، وربما على خير يأتيها بسبب لطفها. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن كرمها وصلتها للأرحام وجيرانها، وعن بركة بيتها بسبب ذلك. وللحامل قد تكون صدى لمشاعر العطاء والرغبة في تهيئة الخير للمولود، أو لمشاركة الفرحة مع الآخرين، فلا تُبنى عليها أمور أخرى.
وأما الرجل فقد يرى فيها المفسرون إشارة إلى كرم نفسه وسعة صدره وحسن علاقته بمن حوله، وقد تدل على صلح بعد خصام أو توثيق صلة مع قريب. ولمن كان في مجال عمل يحتاج فيه إلى علاقات فقد تكون الرؤيا تذكيرًا بأهمية الكلمة الطيبة والهدية البسيطة. وليس في ذلك جزم بشيء، فإن للمودة أسبابها الواقعية، لكن الرؤيا قد تلفت الانتباه إلى حقوق الناس علينا في التقارب والتواصل.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي في كمية الهدية وطريقتها وإخراجها، فالإناء النظيف المغطى أحسن من الإناء المكشوف، وهل أرفقه بشيء آخر كخبز أو تمر. وكذلك حال المهدَى إليه عند الاستلام، أكان مسرورًا شاكرًا أم غافلًا، وهل ردّ بهدية مثلها، فالمبادلة تدل على تواصل مستمر. وهل أهدى سرًّا أم علنًا، فالسر أقرب إلى الصدقة الخالصة، والعلن إلى المودة والتحبب، وهذه قرائن لا تتجاوز الاجتهاد الظني.
ومن الناحية النفسية والعملية، فإن الرؤيا قد تكشف عن رغبة الإنسان في العطاء وتقوية الروابط الاجتماعية، وقد تأتي بعد مناسبة اجتماعية أو حديث عن جار أو قريب. وهي دعوة لطيفة إلى تفقد أحوال الأرحام والجيران، وإلى استعمال الهدية الصغيرة في إذابة الجليد بين القلوب. فإن الهدية مهما صغرت تحمل رسالة محبة، وقد أرشد الهدي الإسلامي إلى التهادي لما فيه من تأليف القلوب وإزالة الأحقاد.
وليجعل الإنسان من هذه الرؤيا مناسبة لمبادرة عملية، فيهدي جارًا أو يصل قريبًا أو يتصدق على محتاج بما يستطيع، دون انتظار شكر أو مقابل. فإن ما يُبذل لله لا يضيع، وإن الله يجعل البركة في الكرماء. ولا يلزم من هذا أن تتحقق الرؤيا بصورة معينة، فإن أبواب الخير مفتوحة أمام كل أحد، والعمل الصالح هو الرؤيا الحقيقية التي تُرى في ميزان الحسنات.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العلاقات أو الاستثمار. وعلى المؤمن أن يتلقى رؤاه بالحمد وحسن الظن بالله والدعاء، وأن يتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فنسأل الله أن يجعلنا من الكرماء الواصلين لأرحامهم وأن يؤلف بين قلوبنا ويبارك في أرزاقنا.
