قد يرى الإنسان في منامه أنه في مزرعة خضراء، بين الأبقار والأغنام والحقول، وأن اللبن يُحلب ويُجمع في الأواني أو يُقدَّم له طازجاً دافئاً. وهذه صورة ريفية جميلة تبعث على الراحة، وكثيراً ما تتكرر عند من لهم صلة بالريف أو يحنون إلى حياة هادئة. ومن الضروري أن يُعلم أن الحلم لا يُؤخذ على ظاهره ولا يخبر بحدث محدد، وإنما هو رمز نفسي له قراءات متعددة، وتفسيره اجتهاد ظني ينبغي أن يُقرأ بتؤدة وحسن ظن وعدم جزم.
المزرعة في الرؤى ترمز إلى العمل والزرع والحصاد والرزق المتولد من الجهد، وإلى الاستقرار والبركة في المعاش. واللبن رمز للرزق الحلال الصافي والفطرة والحنان والغذاء الطيب. فإذا اجتمعا فقد يُقرأ المشهد على أنه ثمرة سعي متواصل، ورزق يأتي من أصل طيب، وبركة تحل في العمل الذي يُؤدى بأمانة. وهذا من باب الرجاء وحسن الظن بالله، وليس وعداً بأرباح ولا تحديداً لمشروع، فالرزق بيد الله وحده والإنسان مأمور بالسعي وحسن التدبير.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الأنعام في المنام قد تدل على المال والمعاش، وأن اللبن الخارج منها يدل على رزق طيب وفطرة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يخرج من الحيوان النافع من لبن ونحوه يدل على مال حلال وخير بقدر ما يجده الرائي من صفائه وكثرته. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك، فمنهم من ربط الأنعام بالزوجات والأهل، ومنهم من ربطها بالعمل والكسب، ومنهم من ربطها بالأتباع والرعية، ولا يوجد قول قاطع يعتمد عليه.
ويتغير المعنى بتغير الحال، فإن كانت المزرعة نظيفة خضراء والحيوانات سليمة والحلب يسير فذلك أدعى للتفاؤل. وإن كانت الحيوانات هزيلة أو المكان مهملاً أو اللبن قليلاً متغيراً فقد تعبر الصورة عن حاجة إلى مزيد من العناية والتدبير في الأعمال، أو عن قلق من تعثر مشروع. وإن كان الرائي هو من يحلب فقد يدل على جهده وكدّه، وإن كان غيره من يقدم له اللبن فقد يدل على عون وصلة. وإن رأى الصغار يلعبون حول المزرعة فقد يضيف ذلك معنى الأنس والبركة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تتجه القراءة إلى حياة هادئة بسيطة تنشدها، وإلى توفيق في عمل أو دراسة، وإلى اجتهاد يثمر. وللمرأة المتزوجة قد تدل على جهدها في البيت وبركة ما تزرعه في أولادها من أخلاق وتربية، وعلى رعايتها لشؤون الأسرة. وللحامل قد تعبر عن الأمل بنمو ما في بطنها كما تنمو الزروع، وللمرضع عن صلة العطاء بين الأم وصغيرها. وهذه معانٍ رمزية عامة تتصل بالنفس والبيت.
وللرجل قد يدل المنام على عمل زراعي أو تجاري أو صناعي يؤتي ثماره، وعلى حسن القيام بمسؤوليات الأسرة والوفاء بالالتزامات. وإن كان صاحب مشروع فقد يعبر الحلم عن رغبته في أن يتحول مشروعه إلى مصدر رزق طيب مستقر. وإن كان طالباً أو موظفاً فقد يعبر عن تطلعه إلى ثمرات جهده. وفي كل حال فإن الأخذ بالأسباب والتخطيط الجيد والصدق في المعاملة هي الطريق الحقيقي إلى ما يرجوه، والحلم مجرد إشارة تأملية.
ومن الدقائق أن نلاحظ نوع الحيوان الذي يُحلب، فالبقرة قد تُقرأ على رزق وفير مستقر، والناقة على خير ممتد وصبر، والشاة على بركة هادئة وسكينة. ولو رأى الرائي أن اللبن يُصنع في المزرعة جبناً أو زبدة فقد يتسع المعنى إلى تحويل النعمة إلى ما يدوم وينفع. وكذلك فإن كان العمال حوله يعملون بنشاط فقد يشير إلى تعاون وشراكة. وكل ذلك احتمالات تأملية لا تُعد قواعد قطعية ولا يُبنى عليها يقين.
وفي الجانب النفسي، فإن حياة المزرعة تمثل عند كثير من الناس صورة للسلام والبساطة والقرب من الطبيعة، وهذا ما يحتاج إليه المرهقون من ضجيج المدن والعمل. وقد يعبر الحلم عن شوق إلى الهدوء، أو عن رغبة في أن يبذر الإنسان بذور الخير ويصبر على نموها. وهذا معنى تربوي عميق، فكما أن الحصاد لا يأتي في يوم، فكذلك العلاقات والأعمال والأخلاق تحتاج إلى سقاية دائمة وصبر طويل، والرضا بما يقسمه الله.
وعملياً فإن على من يريد أن يرى من الرؤيا ثمرة أن يعتني بما بين يديه، فيتقن عمله ويحسن إلى من حوله ويدبر ماله ويدخر قليلاً من وقته للراحة والعبادة. فمن زرع الخير حصده بإذن الله في الدنيا والآخرة، ومن أحسن العمل وتوكل على ربه لم يحتج إلى منام يبشره. والمزرعة التي تثمر هي القلب الذي يُسقى بالذكر والعمل الصالح، وهي أوسع رزقاً من أي حقل ظاهر.
وفي النهاية نقول إن هذه التأويلات اجتهاد بشري ظني، لا تدل على علم بالغيب، ولا يجوز أن يُبنى عليها قرار في استثمار أو شراء أو عمل أو غير ذلك. فمن رأى ما يسره فليحمد الله ويحسن به الظن ويواصل سعيه، ومن رأى ما يقلقه فليستعذ بالله ويدعُ ربه بالبركة، والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو الرزاق الكريم الذي يوسع على من يشاء بحكمته.
