قد يرى الإنسان في منامه اللبن في مشهد فيه معنى ديني عام، كأن يكون في مسجد أو عند الكعبة أو في مجلس ذكر أو بين أهل صلاح، فيشربه أو يُقدَّم له. وهذه صورة ذات طابع روحاني تتكرر عند من تعلقت قلوبهم بالعبادة. وينبغي أن تُقرأ قراءة رمزية هادئة لا حرفية، فهي لا تُعدّ شهادة ولا حكماً على حال أحد. وكل ما سيأتي تأمل واحتمال، والعلم بالغيب عند الله وحده، وهو أعلم بعباده.
واللبن في الرموز العامة يدل على الرزق الحلال الصافي والفطرة السليمة والغذاء النافع والحنان والبركة. وقد ذهب بعض المفسرين إلى ربطه عموماً بالفطرة والهداية والعلم النافع، على وجه الإجمال والاجتهاد، من غير أن نذكر هنا واقعة بعينها. فإذا ظهر في سياق ديني زاد هذا المعنى حضوراً، فكأن الصورة تذكّر الرائي بأصل طيب وصفاء قلب وحاجة إلى الغذاء الروحي.
ومن المعاني المحتملة أن الرائي يشتاق إلى القرب من الله، أو أنه يمر بمرحلة يميل فيها قلبه إلى العبادة والطمأنينة. وقد يعبّر المنام عن علم نافع يطلبه، أو عن صحبة صالحة ينعم بها، أو عن حاجة إلى تجديد النية. وهذه معانٍ طيبة، لكنها لا تُعدّ تزكية لأحد، فنحن لا نعلم ما في القلوب، والله وحده يطلع على السرائر، وهو الذي يقبل الأعمال.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن لسياق المنام أثراً في تفسيره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء اللبن علامة خير ونفع. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في تفاصيل كثيرة، ولم يتفقوا على قول واحد في كل صورة، فتُقرأ هذه الأقوال على أنها اجتهادات يُستأنس بها ولا يُجزم بها.
ويتغير التأويل بحسب التفاصيل: فإن كان المكان مسجداً هادئاً فهو أقرب إلى معنى السكينة والعبادة، وإن كان مجلس علم فقد يوحي بزاد معرفي. وإن شرب اللبن مع جماعة من الصالحين فهو أقرب إلى معنى الصحبة الطيبة. وطعمه ونظافته ومن قدمه كلها قرائن، وليكن الرائي حذراً من أن يفهم من المنام مرتبة لنفسه أو لغيره، فالتواضع أولى وأسلم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز المنام إلى طمأنينة قلبية وحسن اتجاه، وإلى أمل في صحبة طيبة وبيت صالح. وللمرأة المتزوجة قد يدل على بركة في بيتها وتربية أبنائها ونية خير في رعايتهم. وللحامل قد يعبّر عن رجائها بالذرية الصالحة وسكينتها بالدعاء، وللمرضع قد يوحي بحنان وعناية، وهي معانٍ جميلة تتصل بدور الأمومة وفضلها.
وللرجل قد يدل على ميل إلى العلم والعبادة وصلة الرحم وإصلاح الأحوال. وقد يوحي بحاجته إلى الاهتمام بحياته الروحية وسط انشغالات الدنيا. وليحذر من الغرور بالمنام وليجعله دافعاً إلى مزيد من الطاعة والإخلاص، فإن العبرة بالعمل لا بالرؤيا، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، والنية الصادقة هي أساس القبول.
ومن دقائق التأويل أن ينظر الرائي إلى الشعور الذي صاحب المنام: فإن كان سكينة وطمأنينة فذلك من أطيب ما يكون، وإن كان خوفاً فقد يكون ذلك من هيبة المكان أو خشية داخلية. وكذلك لا ينبغي أن يُخبر بما رآه من يُظن أنه يحسده أو يسيء تفسيره، وليحدّث به من يحب ويثق برأيه ويرجو له الخير، فهذا من آداب الرؤى الحسنة.
ومن اللطائف أن الأحلام الروحانية قد تنبع من حال القلب قبل النوم، فمن نام على ذكر وطهارة رأى ما يناسب ذلك كثيراً. ولهذا يستحب أن ينام المرء على وضوء وذكر، فهو من الهدي الحسن الذي يعين على سكينة المنام. وإن لم يرَ شيئاً فليس في ذلك نقص، فالخير كله في الاستقامة والعمل الصالح، سواء رأى المنامات الحسنة أم لم يرها.
ومن الناحية النفسية والعملية قد يكون الحلم دعوة إلى تقوية الصلة بالله والمحافظة على الطاعة وطلب العلم النافع. فاجعل لك ورداً يسيراً دائماً، وصحبة صالحة، وبرّاً بوالديك، وإحساناً إلى خلق الله. وتذكّر أن الفطرة السليمة تحتاج إلى رعاية، وأن الطمأنينة الحقيقية في ذكر الله، وأن رحمته وسعت كل شيء.
ولا يخفى أن بعض الناس قد يضخّمون الرؤى الدينية فيجعلونها ميزاناً للمقامات، وهذا خلاف الأدب والتواضع. فالمؤمن الصادق يخاف على عمله أن لا يُقبل، ولا يغتر بمنام حسن. ومن رأى ما يسرّه فليحمد الله ويستزد من الطاعة، ومن لم ير شيئاً فلا يحزن ولا ينتقص من نفسه. وهذا الموقف المتوازن هو أسلم ما يتعامل به المسلم مع رؤاه، ويحفظه من الغرور واليأس معاً، ويبقي قلبه معلقاً بربه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير كله اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الارتباط، ولا يجوز أن يُتخذ دليلاً على مكانة أحد. والأولى أن يقابل المسلم ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وبالتواضع. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أعلم بمن اهتدى.
