قد يرى النائم نفسه أمام بحيرة واسعة ساكنة مملوءة باللبن، سطحها أبيض لامع لا تحركه إلا نسمات خفيفة، فيشعر بالانبهار ثم بهدوء عجيب. هذه الصورة لا تتكرر كثيراً، غير أنها تظهر عند من يمرّون بمراحل تأمل أو انتظار أو شكر. ويجدر التنبيه إلى أن الحلم لغة رمزية لا تُقرأ حرفياً، فالبحيرة هنا ليست مكاناً حقيقياً، واللبن ليس لبناً يمكن شربه، وإنما هي معانٍ يحاول العقل والقلب تصويرها بما اعتاده من مشاهد الحياة. فلنقرأ الرؤيا بتأنٍّ وتواضع.
يختلف رمز البحيرة عن رمز النهر في أن النهر يجري ويمضي، أما البحيرة فتستقر وتجتمع، ولذلك يربطها بعض أهل التعبير بالخير المجتمع المدّخر الذي يبقى عند صاحبه. واللبن في أصله رمز للرزق الحلال الصافي والفطرة السليمة والغذاء النافع. فإذا اجتمع السكون مع النقاء والبياض فقد توحي الصورة بطمأنينة في المعاش وبرضا في النفس، وبشعور أن في الحياة ما يكفي ويفيض. وكل ذلك يُقال على وجه التفاؤل والرجاء دون جزم أو تحديد.
ونُسب إلى ابن سيرين أن اللبن يُعبَّر بالفطرة وبالمال الحلال، وأن الكثير منه يُحمل على كثرة الخير الطيب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المياه الراكدة الصافية قد تدل على الخير المستقر والمقام الطيب، في حين تدل الراكدة الكدرة على الهم والتعطل. ومع هذا فقد اختلف المفسرون في هذا الباب، فمنهم من شدد على الدلالة المالية، ومنهم من فسر المنام بالعلم والمعرفة المخزونة، ومنهم من رأى فيه صحة وسلامة أو سكينة أسرية، وعلى هذا فلا قول قاطعاً يجوز الاعتماد عليه.
وللسياق أثر كبير في الفهم، فإن كانت البحيرة نقية بيضاء ورائحتها طيبة فالأقرب أن تكون الإشارة حسنة، وإن اعتراها تخثر أو رائحة غير مستحبة فقد تشير إلى انتباه لأمر مشتبه أو ضيق خفيف. وكذلك يختلف الأمر بين من يشرب منها فيجد طعمها حلواً ومن يعافها نفسه، فالأول يُحمل على انتفاع وقبول، والثاني على تردد أو حذر. ولاتساع البحيرة وعمقها وحدودها وما يحيط بها من جبال أو أشجار دور في تلوين المعنى، فكل تفصيل يضيف حرفاً إلى الصورة.
وفي حق الفتاة غير المتزوجة قد تُحمل الرؤيا على حياة هادئة قادمة ورغبة في السكينة، وقد تعبّر عن مرحلة تنتظر فيها فرصة أو قراراً مناسباً، فالبحيرة الساكنة توحي بالصبر. وقد ترمز إلى علم تتزود به أو صحبة تطمئن إليها، دون تحديد ولا ادعاء. وإن رأت نفسها تسبح فيها بأمان فقد يعني ذلك إحساساً بالاحتواء والأمان، وإن خافت منها فقد يدل ذلك على تهيب من تغيير مقبل أو قلق من المجهول.
وللمرأة المتزوجة قد توحي البحيرة اللبنية بسكينة البيت واجتماع الأسرة وحنان الأمومة، وللحامل أو المرضع قد تقترب من معاني العطاء والرعاية. وللرجل قد يُحمل المنام على استقرار في الرزق والعمل، أو على مال يدخره بحلال، أو على راحة بال بعد انشغال. وقد يعكس الحلم عند المهموم شوقاً إلى الراحة، فالنفس التي أرهقتها المشاغل تتخيل أحياناً مشاهد هادئة واسعة تعوضها عما فقدته من الدعة.
ومن التفاصيل المهمة وجود الأشياء الأخرى في المشهد، فالطيور على البحيرة قد تُقرأ على أنها ألفة وأنس، والزهور حولها قد تُقرأ على أنها جمال وطيب، والضباب قد يشير إلى بعض الغموض أو التروي المطلوب. وإن كانت البحيرة تنحسر أو تجف فقد يكون ذلك تذكيراً بأن النعم تحتاج إلى شكر وحفظ وحسن تدبير. وأما إن كانت تفيض فقد يشير ذلك إلى ضرورة العدل والاعتدال عند السعة، وكل ذلك على سبيل التأمل فحسب.
وفي الجانب النفسي والعملي، قد يكون الحلم ثمرة حاجة داخلية إلى الصفاء والتوقف عن اللهاث، أو شعوراً بالامتنان بعد مرحلة صعبة. وهو دعوة لينة إلى أن يخصص الإنسان وقتاً للراحة والتأمل، وأن يدبر ماله وجهده بحكمة، وأن يحسن إلى أهله ويشكر ربه على ما بين يديه. فالبحيرة الحقيقية التي يحتاج إليها كل إنسان هي طمأنينة القلب التي تأتي بالرضا والعمل الصالح.
وفي الختام نؤكد أن ما سبق اجتهاد بشري ظني، وليس علماً قاطعاً بما سيكون، ولا يصح أن يُتخذ سبباً لقرار مصيري أو تصرف في المال أو العلاقات. فمن رأى خيراً فليحمد الله وليحسن الظن به، ومن رأى ما يخيفه فليستعذ بالله ويدعُه بالعافية، وليتذكر أن علم الغيب عند الله وحده، وأن أحسن ما يفعله الإنسان بعد الرؤيا هو الدعاء والعمل الصالح.
