كثيراً ما تحدّث النساء المتزوجات عن أحلام رأين فيها اللبن، فقد يشربنه أو يقدمنه لأزواجهن وأولادهن أو يشاهدنه في المطبخ أو في مكان غير متوقع. وتبحث المرأة في مثل هذه الأحلام عن معنى يتصل ببيتها وزوجها ورزقها وأطفالها. ويجب أن يُفهم أن الحلم ليس إخباراً مؤكداً ولا قراراً مصيرياً، بل هو لغة رمزية تتأثر بهموم الحياة اليومية ومشاعر الأمومة والزوجية، وتفسيرها اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ حد اليقين.
اللبن في الرؤى رمز للرزق الحلال والنقاء والفطرة السليمة والحنان والغذاء النافع، وهذه كلها معانٍ قريبة جداً من عالم المرأة المتزوجة وبيتها. فإذا رأته فقد يُقرأ على أنه إشارة إلى بركة في بيتها وصفاء في علاقتها بزوجها وأولادها وسعة في المعاش، أو على أن عطاءها الصامت يؤتي ثماره. ويقرأه بعضهم على أنه تعبير عن الاحتواء الذي تقدمه لأسرتها. وكل هذه المعاني تُقال على سبيل الأمل وحسن الظن، لا على سبيل الجزم بما سيقع أو وقت وقوعه.
ونُسب إلى ابن سيرين أن اللبن يدل على الفطرة والرزق الطيب، وأن من شربه فقد نال من ذلك بقدر ما شرب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتصل بالمرأة من الطيبات يُحمل على صلاح الحال وحسن العشرة بحسب ما يصاحب الرؤيا. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في الدلالة، فمنهم من ربطها بالمال، ومنهم من ربطها بالذرية، ومنهم من ربطها بالدين والخلق، فلا يُعتمد على قول واحد. والأقرب أن تنظر المرأة في ظروفها وتأخذ من ذلك ما يلائمها بحذر.
ولتفاصيل الرؤيا أثر كبير، فإن كان اللبن طازجاً صافياً تقدمه لأسرتها أو تشربه بارتياح فذلك أدعى لحسن التفاؤل. وإن كان فاسداً أو متخثراً أو مسكوباً فقد يُقرأ على انشغال بتفاصيل البيت أو قلق من تقصير أو تعب يومي. وإن أعطاها زوجها اللبن فقد يدل على مودة وعناية منه، وإن أعطته هي فقد يدل على إحسانها له، وإن أعطاها أحد الأقارب فقد يدل على صلة أرحام وخير. وللمكان، سواء المطبخ أو غرفة النوم أو الحديقة، دور في تلوين المعنى.
وإن كانت المرأة تتمنى الحمل، فقد يعكس الحلم رجاءها وأمنيتها، وبعض المفسرين قد يقرؤه على أنه بشرى بخير في الذرية، لكن ذلك من باب التفاؤل المحمود لا الجزم، ولا ينبغي بناء توقعات طبية عليه. وإن كانت حاملاً فقد يعبّر عن استعدادها النفسي وحنانها المتصاعد، وإن كانت مرضعة فهو أقرب إلى انعكاس يومها المعتاد. وإن كانت أماً لأبناء كبار فقد يدل على فخرها بهم أو شوقها إلى أيام صغرهم وقلقها عليهم.
وفي ما يتصل بالزوج والعلاقة الزوجية، فقد يُقرأ اللبن على سكينة ومودة ورحمة بين الزوجين، وعلى بركة في الألفة وتجاوز الخلافات الصغيرة. ولكن إن كانت المرأة تمر بخلاف حقيقي فينبغي أن تعالجه بالحوار والصبر والاستعانة بأهل الحكمة والخبرة، لا بالاعتماد على منام. وقد يكون الحلم تعبيراً عن رغبتها في الصفاء والهدوء في بيتها أكثر مما هو بشارة، وهذا معنى جميل يمكن أن يدفعها إلى العمل لتحقيقه بالكلمة الطيبة والتفاهم.
ومن الدقائق أن ننظر إلى كمية اللبن ومصدره وإناءه، فالكثير قد يشير إلى سعة والقليل إلى قناعة، وإناء الزجاج النظيف قد يشير إلى صفاء وترتيب، والإناء المكسور قد يشير إلى تنبيه إلى ضعف في أمر ما. وقد ترى بعض النساء اللبن مع الأرز أو التمر أو الخبز، فيتشكل معنى الرزق في البيت وكفايته. ومن رأت أنها تصنع منه حلوى أو طعاماً فقد يُقرأ على اجتهادها في تحويل النعمة إلى بهجة تشارك بها أهلها.
وفي الجانب النفسي والعملي، تحمل المرأة المتزوجة على كتفيها الكثير من المسؤوليات، وقد يأتي الحلم ليمنحها لحظة طمأنينة أو ليذكّرها بأنها تستحق الاهتمام والراحة هي أيضاً. ومن الجميل أن تقتطع المرأة من يومها وقتاً للعناية بنفسها وروحها، وأن تطلب العون من أهلها وزوجها عند الحاجة، وألا ترهق نفسها بلوم لا مبرر له. فاللبن الذي تقدمه لأسرتها يحتاج إلى من يغذي من يقدمه كذلك، والتوازن بين العطاء والراحة من أسباب دوام البركة.
وفي الختام نقول إن هذه المعاني اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار في الحمل أو الخلاف الأسري أو المال أو غير ذلك من الأمور المصيرية. فمن رأت ما يسرها فلتحمد الله وتحسن به الظن، ومن رأت ما يقلقها فلتستعذ بالله وتدعُ ربها بالسكينة في بيتها ولا تسترسل في الوساوس، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه أعلم بما يصلح أحوال عباده وبيوتهم.
