من الرؤى التي قد تمرّ بالنائم أن يرى نفسه يحلب نعجة أو قطيعًا من الأغنام، يجلس في الحظيرة أو في المرعى ويجمع اللبن في دلو أو إناء. وهي صورة هادئة تحمل في طياتها معنى الرعاية والأمانة والعمل الدؤوب. وكما هو الحال في كل رؤيا، فإن التفسير رمزي اجتهادي، لا يُفهم منه وقوع أمر بعينه، وإنما يُستأنس به على قدر ما يحتمل من الفهم والتأمل في أحوال الرائي.
الغنم في الأصل رمز للخير والبركة والسكينة، والراعي رمز لمن يتحمل مسؤولية غيره ويقوم على مصلحتهم. وحلب الأغنام يجمع بين المعنيين، فهو انتفاع من ثمرة رعاية سابقة، وكأن الرائي يقطف ما زرعه من عناية وصبر. ويضاف إلى ذلك معنى اللبن في الرموز من حلال ونفع وفطرة، فيغلب أن تدور الرؤيا حول كسب مشروع ناتج عن حسن القيام بأمر من أمور الناس أو الأسرة أو العمل.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما حكاه أهل التعبير أن الغنم تدل على الخير والمال الهادئ، وأن الحلب دليل على أخذ منفعة ممن تحت يد الرائي أو من عمله. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة تفيد أن اللبن رزق طيب. على أن هذه الأقوال لم تُجمع على وجه واحد، فبعضهم ربط الحلب بالتجارة، وبعضهم ربطه بالوظيفة أو الرعاية، وبعضهم رأى فيه علمًا يؤخذ من معلّم رفيق. ولا حرج في الأخذ بما يناسب حال الرائي مع بقاء الظن.
وتتغير الدلالة بتغير مشاهد الحلم؛ فإن كان القطيع كثيرًا والأغنام سمينة واللبن غزيرًا، فذلك أقرب إلى رزق وفير وخير يعمّ. وإن كانت الأغنام هزيلة أو مريضة، أو اللبن قليلًا متكدرًا، فقد يشير إلى حاجة إلى العناية بما في اليد قبل أن ينتظر الثمرة. ويُنظر كذلك هل كان الحلب سهلًا هادئًا أم متعثرًا، وهل شاركه أحد، وهل بقي اللبن في الوعاء أم انسكب، فإن حفظه دل على حفظ الرزق وحسن التصرف.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على استعداد لتحمل مسؤولية جديدة أو على خير يأتي من اجتهادها في عمل أو دراسة، وعلى سمعة طيبة تنال بها رضا الناس. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن حسن تربيتها لأولادها وعنايتها بأسرتها، وعن ثمرة طيبة تجنيها من تعبها في البيت. وللحامل قد تحمل رمز الاستعداد لرعاية المولود وطمأنينة النفس، وهو معنى نفسي جميل لا يُبنى عليه حكم.
وأما الرجل فقد يرى فيها المفسرون إشارة إلى نجاح في إدارة مسؤولياته من أسرة أو عمل أو مشروع، وإلى ثمرة قريبة من جهده. وقد يكون من يتولى أمر جماعة أو مؤسسة أو عمل يقوم عليه غيره قد رأى فيها تذكيرًا برفقه بمن تحت يده، فالراعي الرفيق يكسب ثقة قطيعه. وهذا المعنى التربوي لا يتوقف على صحة الرؤيا، فالرفق بالناس خلق حسن في كل حال.
ومن الدقائق التي يهتم بها أهل العبارة نوع الأغنام، أضأن هي أم معز، وهل هي بيضاء صافية اللون أو داكنة، وهل كان الراعي حاضرًا أم لا. فالأغنام البيضاء قد يُنظر إليها نظرة أكثر تفاؤلًا، والشاردة المتفرقة قد تشير إلى تشتت أمر أو حاجة إلى جمع الشمل. وكذلك إن كان الرائي يحلب نعجة وحدها فقد يكون المعنى متصلًا بشخص بعينه، وإن حلب قطيعًا فالمعنى أعم، وكل هذا اجتهاد ظني لا يُقطع به.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد تكون الرؤيا تعبيرًا عن شعور بالمسؤولية وانتظار نتائج جهد سابق. وربما رآها من تحمّل أعباء رعاية والدين أو أولاد أو عمل فريق، فجاءه الحلم مبشّرًا بأن ما يبذله لا يضيع. وفي ذلك دعوة إلى الاستمرار بالصبر وحسن النية والابتعاد عن الاستعجال، فالثمرة تنضج في وقتها بإذن الله، ولكل مجتهد نصيب مما يسعى إليه.
وقد يفيد الرائي أن يتذكر أن الأمانة التي بين يديه من أهل ومال وعمل هي من نعم الله التي يُسأل عنها، فمن أحسن رعايتها أحسن الله له. وهذا يتسق مع المعنى المستفاد من صورة الراعي في موروثنا، فكل إنسان راعٍ في موضعه. ولا يعني ذلك أن الرؤيا خبر مؤكد، بل هي مناسبة لمراجعة النفس وتجديد العزم على أداء الواجبات بإخلاص وتقوى.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. وعلى المؤمن أن يتلقى ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، فإن كان خيرًا حمد الله، وإن كان غير ذلك استعاذ وتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فنسأله أن يبارك في أعمالنا وأرزاقنا ويجعلنا من الرعاة الأمناء على ما استرعانا.
