قد ترى المرأة أنها ترضع طفلًا لا تعرفه، ليس من أولادها ولا من أقاربها، فتتعجب من هذا المشهد وتتساءل عن معناه. وهذه الرؤيا تختلف عن إرضاع الابن، لأن الطفل هنا غريب، فيتجه المعنى نحو العلاقة مع الغير لا مع الأسرة المباشرة. وكما هو شأن الرؤى كلها فإن تفسيرها رمزي اجتهادي، يُستأنس به ولا يُبنى عليه شيء من أمور الواقع.
الطفل الغريب في الرموز قد يمثل مشروعًا جديدًا، أو شخصًا يحتاج إلى عون، أو مسؤولية لم تكن في الحسبان. وإرضاعه يعبّر عن بذل شيء من النفس لمن ليس من دائرتك القريبة، وهو من معاني الإحسان والرحمة العامة. ويقترن اللبن برمز الرزق الحلال والفطرة والنفع، فيكون ما تقدمه الرائية للغريب صورة من صور المعروف الذي لا يُنتظر عليه مقابل، وهي معانٍ جميلة تحمل في ظاهرها محمدة.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما نقله أهل العبارة أن الرضيع قد يدل على همّ أو أمانة أو مشروع، وأن الإرضاع يدل على القيام بشأنه والإنفاق عليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى نحو ذلك، أي أن من أرضع طفلًا ليس له قد يتحمل أمر غيره أو يفعل خيرًا إلى من لا يعرفه. ويبقى هذا من باب اختلاف المفسرين، فقد ذكر بعضهم أن الغريب قد يشير إلى أمر طارئ لم يكن في الحسبان وليس بالضرورة إلى شخص.
ويتأثر المعنى بحال الطفل الغريب؛ فإن كان صحيحًا جميلًا مطمئنًا فذلك أقرب إلى خير يقدمه الإنسان وثمرة طيبة له. وإن كان مريضًا أو باكيًا ملحًّا فقد يدل على أمر يحتاج إلى عناية وصبر وربما إلى تحمل عبء من أجل غيره. ويُنظر كذلك هل اعتنت الرائية بالطفل برضا أم شعرت بالنفور، وهل أخذه أحد منها بعد ذلك أم بقي معها، فهذه الأمور تحدد وجه التعبير الأقرب.
وللمرأة المتزوجة قد تدل الرؤيا على كرم نفسها وسعة صدرها في إعانة الناس، أو على خير ينالها من إحسانها، وقد تعكس أحيانًا انشغالها بشأن غير شأن أسرتها. وللحامل قد تكون صدى لمشاعر الأمومة العامة وحبها للأطفال. وللفتاة غير المتزوجة قد تدل على رحمة فطرية وتحمل لمسؤوليات غير متوقعة أو تعاون في عمل خيري. وللمرضع قد تكون الرؤيا امتدادًا لحياتها اليومية، فلا يُؤخذ منها أكثر من ذلك.
وأما الرجل، إذا رأى امرأة من أهله ترضع طفلًا غريبًا، فقد يُفسَّر بخير يتعدى الأسرة إلى غيرها أو بمعروف يصنعه أهله. وقد يُنظر في الأمر على أنه إشارة إلى صدقة جارية أو كفالة أو عطاء للمحتاجين، وهي معانٍ يتأتى فهمها في ضوء الحلم دون جزم. ولا يُستغرب أن يكون الحلم متأثرًا بما شاهده الإنسان نهارًا من مشاهد رعاية الأيتام أو أخبار المحتاجين.
ومن الدقائق أن يُنظر في مكان الإرضاع، فإن كان في بيت الرائية فالمعنى أقرب إلى معروف يأتيها من أهلها، وإن كان في مكان عام أو غريب فقد يرمز إلى أمر يتعلق بالمجتمع أو العمل. كذلك يُنظر في ملامح الطفل وهيئته وهل يشبه أحدًا، فإن شابه شخصًا تعرفه فربما اتصل المعنى به. وإن لم يُعرف فالأمر عام، وكل هذا يُذكر على سبيل الاجتهاد لا القطع.
ومن الناحية النفسية والعملية، فقد تعبّر هذه الرؤيا عن حاجة إلى العطاء أو عن شعور بأن عندك طاقة حنان تتجاوز دائرتك، وقد تكون متأثرة بمشاهد مؤثرة رأتها. وربما كانت دعوة غير مباشرة إلى التفكير في المشاركة في عمل خيري أو كفالة يتيم أو مساعدة محتاج بما تستطيع. وهذه معانٍ طيبة يستفيد منها الإنسان في سلوكه، سواء صدق التفسير أم لم يصدق، فالخير لا يحتاج إلى رؤيا ليُفعل.
ويحسن أن يذكّر المفسرون الرائي بأن كفالة اليتيم ورعاية المحتاج من أعظم أبواب الأجر عند الله، وأن النية الصادقة والعمل المنتظم أولى من مجرد التأثر بالصورة. فمن أراد الخير فليبحث عن طريق عملي إليه وفق طاقته. ولا يلزم أن يحمل الإنسان نفسه ما لا يطيق، فالله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
ويحسن أن يلاحظ الرائي أن أبواب الخير واسعة، وأن الإحسان إلى الغرباء من أعظم ما يقرّب إلى الله، وأن الرؤيا مهما كان تفسيرها لا تعوّض عن العمل الصالح الفعلي. فإن وجدت المرأة في قلبها رحمة تدفعها إلى العطاء فلتغتنمها بما يتاح لها من وسائل مشروعة، ولتعلم أن الله يرى نيتها ويكتب لها أجرها.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي يتعلق بالكفالة أو المال أو العلاقات. والواجب على المؤمن أن يتلقى ما يراه بحمد الله وحسن الظن به والدعاء، وأن يعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فنسأل الله أن يجعلنا من أهل المعروف والإحسان، وأن يتقبل منا ويبارك في أعمالنا.
