قد يرى النائم لبنًا يمتلئ به الإناء حتى يفيض من أطرافه ويسيل على الجوانب، فيندهش من كثرته ويحاول أن يمسكه أو يوسع له وعاءً آخر. وهذه الرؤيا تحمل في العادة شعورًا بالدهشة وربما بالفرح، وتُفسَّر عند كثير من أهل التعبير بسعة وبركة. ومع ذلك تبقى رمزية اجتهادية، لا يُقطع بها على أمر واقع، وإنما هي إشارات تُقرأ بحسب حال الرائي وما يحيط به.
الفيض في الرموز يدل على الكثرة التي تتجاوز الحاجة، واللبن رمز للرزق الحلال والفطرة والنفع، فيكون الجمع بينهما دالًّا على خير واسع قد يزيد عما يُتوقع. ويرمز كذلك إلى بركة تعمّ من حول الرائي، فلا تقتصر عليه، لأن ما يفيض يصل إلى غيره. وفي هذا المعنى تذكير بأن النعمة الكبيرة مسؤولية، وأن من أُعطي سعة فعليه أن يشاركها، فالفيض إذا لم يوجَّه إلى مستحقه ضاع، كما يضيع اللبن الفائض إن لم يُحفظ في وعاء مناسب.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما نقله أهل التعبير أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن كثرته وفيضه قد يدلان على سعة في الرزق وعمارة في الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن امتلاء الأواني بما يُحمد من الأشياء يدل على الخير الكثير. على أن المفسرين اختلفوا في بعض الأحوال، فمنهم من قال إن الفيض الزائد قد يدل على إسراف أو ضياع بعض ما يُنال إن لم يُحسن التصرف، وفي هذا تنبيه حسن.
ويؤثر في المعنى حال اللبن وكيفية الفيض؛ فإن كان صافيًا أبيض والفيض هادئًا لطيفًا فذلك أقرب إلى الخير الوفير والبركة. وإن كان الفيض سريعًا مضطربًا يغرق المكان ويتلف شيئًا، فقد يشير إلى نعمة تحتاج إلى حسن تدبير حتى لا تتحول إلى عبء. ويُنظر كذلك إلى ما يحيط بالإناء، هل أُتلف بساط أو متاع، وهل بادر الرائي إلى تدارك الأمر، فالمبادرة علامة الحكمة، والإهمال علامة على غفلة قد تضيّع بعض الخير.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على خير كثير قريب في علم أو عمل أو علاقة طيبة، وعلى أمل يتسع. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن بركة البيت وكثرة الخير والذرية، وعلى حسن رعاية تزيد الألفة. وللحامل قد تكون إشارة نفسية إلى سعة الأمل ووفرة الحنان للمولود المنتظر، وهو من المعاني المطمئنة التي لا يُبنى عليها شيء في الأمور الطبية، والأمر كله بيد الله.
وأما الرجل فقد يرى فيها المفسرون إشارة إلى رزق واسع من تجارة أو عمل أو أرض، وزيادة في المال والبركة. وقد تكون لصاحب مسؤولية إشارة إلى كثرة من يعتمد عليه وسعة ما يتحمله، وعلى ضرورة التنظيم. ولمن كان في ضائقة فقد تأتي بشارة نفسية يتفاءل بها دون أن يترك الأسباب. وليحذر الرجل أن يتحول الأمل إلى تبذير أو مغامرة غير محسوبة بناءً على رؤيا، فإن الحكمة تقتضي التدبير حتى عند السعة.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي في نوع الإناء الذي فاض، فإن كان صغيرًا فسعة قليل من الخير تُرى كثيرة بالقناعة، وإن كان كبيرًا فالخير حقيقة عظيم. وكذلك إلى لون الرغوة التي قد تعلو اللبن، فهي عند بعضهم زينة تُحمد، وإلى رائحته وطعمه، وإلى من شاركه الفرح في الحلم. فإن اجتمع الأهل والجيران على فيض اللبن فقد يدل على بركة تعم الجميع. وكل ذلك احتمالات يُستأنس بها ولا يُجزم.
ومن الناحية النفسية والعملية، فإن الرؤيا قد تعبّر عن شعور بالامتلاء والرضا أو عن رغبة عميقة في سعة الرزق والاطمئنان. وقد تأتي في مرحلة يشعر فيها الإنسان بأن عليه التزامات أكثر من طاقته، فيراها فيضًا. والحكمة في كل ذلك أن ينظم الإنسان نعمته ويبذل منها لمن يحتاج، فالنعمة التي تُوزَّع تبقى والتي تُكتنز قد تضيع. فليحرص على الصدقة وصلة الرحم وحسن الجوار، فهي أوعية الفيض الحقيقية.
وليتأمل الرائي في قول الناس إن العطاء من الله بلا حساب، وإن الشكر قيد النعم، فمن أراد أن يستفيد من هذه الصورة فليبادر إلى شكر الله بلسانه وعمله وماله. ولا ينسى أن الغنى غنى النفس وأن الفيض الحقيقي هو فيض القناعة والرضا والسكينة. ومن امتلأ قلبه بالرضا استوى عنده القليل والكثير، وكان في خير على كل حال.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو الاستثمار أو الإنفاق. وعلى المؤمن أن يتلقى رؤاه بالحمد وحسن الظن بالله والدعاء، وأن يعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فنسأل الله أن يوسع علينا في الرزق ويرزقنا شكر النعمة وحسن التصرف فيها.
