قد يرى الإنسان في منامه علبة كبيرة من حليب البودرة أو اللبن المجفف، يفتحها ويغرف منها بالملعقة أو يذيبها في الماء أو يطعم بها رضيعاً أو يخزنها في خزانة المطبخ. وهذه صورة مألوفة في كثير من البيوت، تتكرر عند الأمهات والعاملين في الإمدادات الغذائية ومن عاشوا في مراحل نقص أو سفر. ومن الضروري أن يُعلم أن الحلم رمزي لا يُقرأ بظاهره، ولا يخبر بحدث بعينه، وتفسيره اجتهاد ظني يُقدم بحذر وتواضع، ولا يصح أن يُتخذ مرجعاً لأي قرار.
اللبن المجفف يختلف عن اللبن الطازج في أنه محفوظ مدّخر يدوم زمناً طويلاً ولا يتطلب تبريداً، وفيه معنى الاستعداد والتحوط وحسن الاحتياط لأوقات الحاجة. ولذلك قد يُقرأ في المنام على أنه رزق مدّخر أو خير محفوظ لوقته، وعلى حسن التخطيط والتدبير. وفي المقابل قد يعبر عن رزق قليل البهجة لكنه موثوق، أو عن نعمة تحتاج إلى مجهود لتعود إلى حالتها الطازجة بإضافة الماء. وهذه المعاني تُقال على سبيل التأمل وحسن الظن بالله، وليست حكماً بشيء.
ونُسب إلى ابن سيرين أن اللبن يدل على الفطرة والرزق الطيب، وأن المدخر من الطعام قد يدل على مال محفوظ أو رزق يبقى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُخزن من الأغذية ونحوها يدل على حرص وتدبير بحسب حال الرائي. ومع ذلك فإن اللبن المجفف بصورته الحديثة لم يكن معروفاً في كتب التعبير القديمة، فما يُقال عنه قياس واجتهاد متأخر، ولا يوجد نص قاطع فيه. وقد اختلف المفسرون في هذا الباب، فمنهم من رأى الادخار محموداً ومنهم من خشي أن يدل على جمود، فليكن الفهم متأنياً.
ويتغير المعنى بتغير الحال، فإن كانت العلبة جديدة مختومة وتاريخها صالح والبودرة ناعمة بيضاء فذلك أدعى للتفاؤل بنعمة محفوظة. وإن كانت متكتلة أو منتهية الصلاحية أو فيها رائحة غير مستحبة فقد تعبر الصورة عن حاجة إلى مراجعة ما ادخره الرائي من أموال أو أفكار أو علاقات قديمة. وإن كان يذيبه فيصنع منه لبناً فقد يدل على تحويل المدخر إلى منفعة حاضرة، وإن كان يخزنه فقد يدل على احتياط. وإن كانت العلبة فارغة فقد تعبر عن قلق من نفاد الموارد.
وللفتاة غير المتزوجة قد تتصل الرؤيا بحرصها على الاستقلال والتدبير وادخار شيء لمستقبلها، أو بتفكيرها في جهازها وأمورها. وللمرأة المتزوجة قد تعبر عن إدارتها لميزانية البيت وتخزين ما يلزم لأسرتها، وحرصها على ألا ينقص عليهم شيء. وللحامل قد تعبر عن تجهيزات المولود، فكثيراً ما تدخل علب الحليب في قائمة المشتريات. وللمرضع قد ترتبط بقلق من كفاية الرضاعة وتفكير في بدائلها، وهذا قلق شائع لا ينبغي أن تحمّله أكثر مما يحتمل.
وللرجل قد يدل الحلم على ميله إلى الاحتياط المالي وتدبير النفقة، وإلى حرصه على أن يكون في بيته ما يكفي أهله عند الحاجة. وقد يكون انعكاساً لمرحلة غلاء أو قلق اقتصادي يدفعه إلى التخزين والتفكير في المستقبل. وإن كان تاجراً فقد يتصل الأمر ببضاعة أو مخزون. وفي كل حال فإن الاعتدال محمود، فالادخار بلا تقتير والإنفاق بلا إسراف هو الطريق الوسط، والحلم قد يكون تذكيراً لطيفاً بهذا التوازن.
ومن الدقائق أن ننظر إلى مكان العلبة وطريقة الاستخدام، فالعلبة في الخزانة قد تعبر عن رزق مخزون، وفي يد الرائي عن حاجة حاضرة، وعلى مائدة عن استعداد. وكذلك الملعقة والكمية، فالملعقة الواحدة قد تعبر عن قناعة والكمية الكبيرة عن سعة. وإن كان الرائي يستعملها في سفر أو في مخيم فقد يتصل المعنى بالزاد والتحمل. وإن رأى طفلاً يلعب بالبودرة وينثرها فقد يعبر عن تنبيه إلى حسن حفظ الأشياء، وهذه تفاصيل لا تُعد دلائل قاطعة.
وفي الجانب النفسي، يعكس الحلم رغبة في الأمان الغذائي والمادي، وخوفاً مألوفاً من النقص والحاجة، وهو خوف عميق في النفس البشرية يظهر في أوقات الغلاء والتقلب. والأفضل أن يعالجه الإنسان بالتخطيط المعقول والدعاء والتوكل، لا بالقلق المفرط. ففي التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب طمأنينة لا تعطيها كثرة المخزون، ومن رضي بما قسم الله له وجد في القليل بركة، ومن لم يرض لم تكفه الخزائن.
وعملياً فإن على من يستخدم الألبان المجففة أن يهتم بتاريخ الصلاحية وحسن التخزين وطريقة التحضير الصحيحة، خصوصاً مع الرضّع، وأن يتبع إرشادات الأطباء والمختصين في ذلك، ولا يعتمد على حلم أو غيره في أمر الغذاء والصحة. كما أن من نعمة الله على الإنسان أن يوفر له ما يدخره ويخزنه، فالشكر عليها من أسباب دوامها، ومساعدة المحتاجين مما ادخره من بركتها، وهذا من أنفع ما يمكن أن يستفيده الرائي من هذا المنام.
وفي الختام نقول إن ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني لا يقطع بالغيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في الشراء أو التخزين أو تغذية الأطفال أو غيرها. فمن رأى ما يسره فليحمد الله ويحسن به الظن، ومن رأى ما يقلقه فليدعُ ربه بالبركة والكفاية ولا يستسلم للوساوس، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الكافي لمن توكل عليه والرازق لمن سأله.
