قد يرى النائم أنه يبيع اللبن للناس، يقف في دكان أو يطوف بالأزقة أو يجلس في السوق ويصب اللبن في أوعية الزبائن مقابل ثمن. وهي صورة قريبة من حياة التجار والرعاة والباعة، وقد ترد في أحلام الناس العاديين لأسباب شتى. وكغيرها من الرؤى هي رمزية اجتهادية، يُجتهد في فهمها ولا يُقطع بما ستؤول إليه، وما يُذكر فيها هو من أقوال المفسرين على سبيل الاستئناس والتأمل.
البيع في الرموز عطاء مقابل أخذ، وهو يدل على التجارة والتبادل ونفع الناس بما عند الإنسان. واللبن رمز للرزق الحلال والفطرة والنفع، فبيعه يوحي بتوزيع هذا الخير على الآخرين بثمن عادل، أو بنشر علم نافع أو معروف مبارك. وكأن الرائي يقوم بدور موزّع الغذاء للناس، فتكون رؤياه دالة على مكانة نافعة له في مجتمعه، أو على مهنة نظيفة يكسب منها ما يحل له. ولكن ذلك كله على سبيل الاحتمال، فلا جزم بشيء.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما رواه أهل التعبير أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن البيع يدل على التجارة والمعاملة بحسب المبيع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن بيع ما يُنتفع به من الطيبات يدل على كسب مشروع ونفع. وقد اختلف المفسرون في حال من يرى نفسه يبيع الخير الذي يملكه، فمنهم من جعله علامة على تصرف حسن في المال، ومنهم من نبّه إلى مراعاة الثمن وعدم التفريط في ما هو أغلى من المال.
ويتغير المعنى بتفاصيل البيع؛ فإن باع الرائي اللبن بثمن مجزٍ وبرضا الطرفين فذلك أقرب إلى ربح حلال ومعاملة طيبة. وإن باعه بأقل من قيمته أو شعر بالغبن فقد يشير إلى تفريط في حق أو خسارة في صفقة. ويُنظر كذلك إلى جودة اللبن، فالبيع الصافي دليل على نزاهة المعاملة، وبيع المغشوش أو الممزوج بالماء قد يكون تنبيهًا شديدًا إلى الصدق والأمانة، فيحذر الرائي من كل غش في معاملته. وهل أقبل الناس على الشراء أم أعرضوا.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على اجتهادها في عمل نافع أو مشروع صغير ينفع غيرها، وعلى حسن سمعتها بين الناس. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن مشاركتها في رزق البيت أو عن قدرتها على الاستفادة مما لديها من مهارات، أو عن عطائها للمحيطين بها. وللحامل قد تكون الرؤيا تعبيرًا عن انشغالها بترتيب أمورها قبل الولادة وتفكيرها في الاستقلال المادي، وليس لها من الغيب دلالة جازمة.
وأما الرجل فقد يرى فيها المفسرون إشارة إلى تجارة رابحة أو عمل مثمر أو توزيع علم أو خير على الناس، وقد تكون للتاجر الحقيقي صدى لحياته اليومية. وقد ينبّه صاحب المال إلى أهمية الصدق في البيع، فالنبي الكريم في عموم الهدي حثّ على الصدق والبيان في البيع، والأمانة تجلب البركة. ولمن كان عاطلًا قد تحمل الرؤيا شيئًا من الحافز النفسي إلى طلب العمل، لا على سبيل الوعد، بل على سبيل الدفع إلى السعي.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي في مكان البيع وطريقته، أهو دكان ثابت أم بائع متجول، فالثابت أقرب إلى الاستقرار والمتجول إلى السعي والحركة. وفي الميزان والمكيال، هل كانا عادلين، فالعدالة في الكيل دليل حسن العاقبة، وفي نوع الزبائن ومعاملته لهم، هل كان رفيقًا أم فظًّا. فمن رفق بالناس في الحلم رُجي له الخير، ومن فظّ فقد ينبّه إلى مراجعة أسلوبه. وكلها قرائن تُراعى في حدود الظن لا القطع.
ومن الناحية النفسية والعملية، فإن الرؤيا قد تعبّر عن رغبة في الاستقلال المادي أو في تقديم خدمة نافعة للمجتمع، وقد تأتي بعد تفكير في عمل أو مشروع جديد. وفيها دعوة إلى دراسة الأمور بتأنٍّ وإلى الجمع بين الإتقان وحسن المعاملة، لأن السمعة الطيبة رأس مال حقيقي. وقد تدل على رضا الإنسان عن دوره في خدمة الناس، وعلى استعداده لتحمل مسؤولية أكبر، ما دامت النية صالحة والعزم صادقًا.
وليتذكر الرائي أن الله جعل في العمل بركة، وأن الكسب الحلال من أحب ما يتقرب به الإنسان من أسباب الرزق، ولو كان يسيرًا. وأن البائع الأمين يُرجى له الخير، وأن الغش والتدليس يمحقان البركة ولو زاد المال. فمن أخذ من هذه الرؤيا حرصًا على الأمانة وتحري الحلال فقد أصاب خيرًا كثيرًا، وإن لم يحقق شيئًا من التأويلات، فالعبرة بما يترك الحلم من أثر طيب في سلوك صاحبه.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في التجارة أو العمل أو الاستثمار. وعلى المؤمن أن يتلقى ما يراه بالحمد وحسن الظن بالله والدعاء، وأن يتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فنسأل الله أن يبارك لنا في أرزاقنا ويرزقنا الصدق والأمانة في معاملاتنا كلها.
