قد يرى النائم أنه يستقبل ضيوفًا في بيته ويقدّم لهم اللبن في الأكواب أو الأقداح، يمرّ عليهم واحدًا واحدًا ويكرمهم بالضيافة. وهي صورة تحمل في العادة بهجة وأنسًا، وهي مألوفة في مجالس العرب القديمة. ومع ذلك فهي رؤيا رمزية يجتهد المفسرون في تعبيرها على سبيل الاحتمال، فلا يُجزم بها ولا يُبنى عليها حكم، وإنما يُنتفع بما فيها من معانٍ طيبة على قدر ما يظهر للإنسان.
الضيافة في الرموز دلالة على الكرم وسعة الصدر وحسن الخلق، وهي من أبرز مظاهر المروءة في ثقافتنا. واللبن رمز للرزق الحلال والفطرة والنفع، فيكون تقديمه للضيوف دالًّا في عمومه على بركة في البيت واتساع في الرزق وسمعة طيبة بين الناس. وكأن الرؤيا تُظهر صاحبها في مقام المضيف الكريم، فتبعث في نفسه الاعتزاز بما عنده من خير يستطيع أن يشارك به غيره، وتذكّره بأن الكرم لا ينقص المال بل يزيده بركة.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما نقله أهل التعبير أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن الضيف قد يدل على رزق أو خير يأتي، وأن إكرامه من علامات الخير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضيافة تشير إلى وفود خير وبركة على أهل البيت. وقد اختلف المفسرون في بعض الأحوال، فمنهم من ربط الضيوف بأخبار وزيارات ومنهم من ربطهم بالأرزاق، وتفاوتت الأقوال بحسب هيئة الضيوف وحالهم.
ويتغير المعنى بحسب الضيوف والمقدَّم لهم؛ فإن كان الضيوف أهل صلاح ومودة، والبيت مرتبًا والأكواب نظيفة واللبن صافيًا، فذلك أقرب إلى بركة وبهجة قادمة. وإن قلّ اللبن ولم يكف الضيوف فقد ينبّه إلى الاستعداد وحسن التدبير، وإن كثر وفاض فهو سعة. ويُنظر كذلك هل شرب الضيوف وسُرّوا أم ردّوه، فسرورهم قرينة على رضا وقبول، وانصرافهم دون شرب قد يدل على تقصير بسيط أو سوء تفاهم يُصلح باللطف.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على قرب زيارة طيبة أو خطبة مباركة أو لقاء أسرة كريمة، وعلى حسن أدبها وحياء نفسها، وكل ذلك احتمال لا يقين. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن كرم بيتها وحسن استقبالها لأهل زوجها وأقاربها، وعن مودة تعمّ الأسرة. وللحامل قد تكون صدى لاستعدادات الولادة وزيارات الأهل المنتظرة، وهو من المعاني المطمئنة التي لا تُغني عن طلب الراحة وحسن الدعاء.
وأما الرجل فقد يرى فيها المفسرون إشارة إلى سمعة طيبة وكرم يُذكر له، وإلى بركة في الرزق بسبب إكرام الضيف، وعلاقات اجتماعية نافعة. ولصاحب الأعمال قد تدل على فتح أبواب تعاون مع شركاء أو عملاء، ولمن كان بعيدًا عن أهله قد تكون شوقًا إلى مجالسهم. وإن كان من أهل العلم فقد تعني اجتماع الناس عليه وانتفاعهم بعلمه، لكن ذلك كله على سبيل الأمل والظن لا الجزم.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي في عدد الضيوف وهيئتهم، فمن كانوا كثيرين دلّ ذلك عند بعضهم على سعة الرزق وكثرة الوافدين، ومن كانوا قلة فعلى القناعة. وكذلك هل كان بينهم من يعرفهم أم أغراب، فالأغراب قد يدلون على خير غير متوقع. وهل ساعده أحد في الخدمة، وهل كان معه تمر أو خبز أو حلوى، فكلها تضيف إلى الصورة معاني الكرم والبركة، وتبقى كلها ضمن دائرة التفسير الظني المحتمل.
ومن الناحية النفسية والعملية، فإن الرؤيا قد تعبّر عن رغبة صادقة في إكرام الناس وفي أن يكون الإنسان محبوبًا بين أهله ومحيطه، وقد تأتي قبل مناسبة اجتماعية أو بعد حديث عن ضيوف قادمين. وفيها تذكير بقيمة الكرم الذي حثّ عليه ديننا وتوارثه الناس، وبأن البيوت العامرة بالضيافة تحلّ فيها البركة. وقد تكون كذلك تعبيرًا عن خوف من التقصير في حق الضيف، فيحسن بالرائي أن يرتاح فإن الكرم يكمن في القلب قبل المائدة.
وليجعل الإنسان من هذه الرؤيا مناسبة لتجديد نية الكرم والإحسان إلى الضيف والجار، وإن كان ما عنده قليلًا فإن القليل المقدّم بنفس طيبة خير من كثير يُقدَّم بتكلف. وليتذكر أن الضيافة حق على المسلم، وأن إكرام الضيف من خلق الأنبياء والصالحين، وأن الله يخلف على من أنفق. وهذه كلها معانٍ إيمانية وأخلاقية ينتفع بها الرائي في يقظته أكثر مما ينتفع بتأويل الحلم.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات أو الزواج. وعلى المؤمن أن يتلقى ما يراه بالحمد وحسن الظن بالله والدعاء، وأن يتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فنسأل الله أن يبارك لنا في بيوتنا ويرزقنا الكرم والسعة وأن يجمع شملنا على الخير والمحبة.
