تراود كثيراً من الفتيات غير المتزوجات أحلام يظهر فيها اللبن بأشكال شتى، فمرة تراه في كوب تشربه، ومرة في إناء تقدمه لأحد، ومرة في مشهد غير مألوف. وتتساءل الفتاة عادة عما يحمله ذلك من معنى لحياتها وعلاقاتها وأحلامها. ومن الضروري أن تتذكر أن الأحلام لا تُفهم حرفياً ولا تنبئ بالمستقبل على وجه اليقين، فهي رموز تتأثر بالمشاعر والأفكار والتجارب، وقراءتها اجتهاد يحتمل الخطأ، فينبغي أن تُقابل بهدوء ومن غير تعلق شديد.
اللبن في الرؤى رمز عام للرزق الحلال والفطرة السليمة والعلم النافع والحنان والغذاء الصافي. وحين تراه الفتاة غير المتزوجة فإن القراءة الأقرب عند كثير من المفسرين تدور حول النقاء والخير الذي لا يشوبه كدر، وحول تفتح أبواب من التوفيق في دراسة أو عمل أو علاقة طيبة. وقد يرمز كذلك إلى مرحلة نضج داخلي واكتمال شخصية تتغذى على القيم والمعرفة. وهذا كله من باب التفاؤل المحمود، لا من باب الوعد بشيء معين أو تحديد لموعده.
ونُسب إلى ابن سيرين أن اللبن يدل على الفطرة وعلى الرزق الطيب، وأن من شربه نال من الخير بقدره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُرى من الطيبات للعزباء يُحمل على خير يأتيها من حيث لا تحتسب بحسب حالها. غير أن المفسرين اختلفوا في تحديد نوع هذا الخير، فمنهم من ربطه بالزواج، ومنهم من ربطه بالعلم، ومنهم من ربطه بصلاح الحال والسمعة، ومنهم من لم يخص به باباً بعينه. ولذلك فلا يصح أن تجزم الفتاة بتفسير واحد، وإنما تأخذ الأقرب لحالها.
ويتغير المعنى بحسب التفاصيل، فإن كان اللبن طازجاً طيب الرائحة والطعم فذلك أدعى لحسن التفاؤل، وإن كان حامضاً أو فاسداً فقد يشير إلى قلق أو تردد أو أمر يحتاج إلى تروٍّ. ويُنظر إلى من قدّم اللبن لها، فإن كان أباً أو أماً فقد يدل على رعاية الأسرة، وإن كان شخصاً مجهولاً فقد يدل على فرصة تأتيها من خارج دائرتها، وإن كانت هي من تقدمه فقد يدل على عطائها وكرم خلقها. وللإناء والمكان أثر أيضاً في التفصيل.
وإن كانت الفتاة طالبة علم، فقد يُقرأ اللبن في حقها على معنى العلم الذي يغذي العقل، وعلى التوفيق في تحصيله وفهمه. وإن كانت موظفة فقد يُقرأ على رزق مستقر وبيئة عمل صافية بإذن الله. وإن كانت تنتظر قراراً مهماً فقد تعبّر الرؤيا عن حاجتها إلى الطمأنينة قبل الإقدام عليه. وكل ذلك يتوقف على حالها الخاص، وهي أدرى بنفسها من أي معبّر، فلتحمل الرؤيا على ما يناسب ظروفها ويشجعها على الخير.
وفي شأن الزواج، فإن بعض المفسرين يقرؤون اللبن للعزباء على أنه قد يكون إشارة إلى زواج على دين وخلق في وقته المناسب، غير أن هذا قول من باب الرجاء لا الجزم، ولا ينبغي أن تتعلق به الفتاة أو تؤخر أي قرار حقيقي بسببه. فللزواج أسباب وسُنن وتوفيق من الله، وللفتاة أن تجتهد في اختيار الصالح وأن تستشير أهلها وتستخير ربها. أما الحلم فغاية ما فيه أن يبعث في نفسها الأمل والسكينة وحسن الظن بالله.
ومن الدقائق أن ينتبه إلى ما حول اللبن في الحلم، فاللبن مع العسل أو التمر قد يزيد معنى الحلاوة والخير، ومع الورد قد يميل إلى معنى الجمال والسمعة، ومع الأطعمة المالحة قد يختلط المعنى بتعب وراحة. وإن كانت تشرب منه في حضور أهلها فالأمر عائلي دافئ، وإن كانت وحدها فالأمر شخصي نفسي. وكذلك فإن مشاعرها في الحلم هي المفتاح الأهم، فالفرح يقوي معنى الخير، والخوف يشير إلى قلق ينبغي أن يُعالج بالذكر.
وفي الجانب النفسي، قد يعكس الحلم حاجة الفتاة إلى الأمان والحنان والغذاء العاطفي، أو شعورها بأنها تنضج وتتغير. وقد يظهر عند فتاة تمر بامتحانات أو قرارات أو انتظار مجهول، فيمنحها العقل صورة هادئة من الطفولة تطمئنها. وعملياً فإن الأفضل أن تجعل الفتاة من هذا الشعور دافعاً للعناية بصحتها وعلمها وصحبتها الصالحة وعلاقتها بربها، فإن هذه هي الغذاء الحقيقي الذي يبقى أثره، وفيه الأمان الذي تبحث عنه.
وخلاصة القول إن ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني لا يُعد علماً بالغيب، ولا يصلح أساساً لقرار في الارتباط أو الدراسة أو العمل أو غير ذلك من شؤون الحياة. فلتحمد الفتاة ربها على ما رأت إن كان حسناً، ولتحسن به الظن وتكثر من الدعاء، وإن رأت ما يزعجها فلتستعذ بالله ولا تحدث به أحداً بلا حاجة ولا تسترسل مع الوساوس، فالغيب مما استأثر الله بعلمه، وهو أرحم بها من نفسها.
