قد يرى بعض الناس في منامهم صورة غريبة، هي أن اللبن يتحول أمام أعينهم إلى لون أحمر أشبه بالدم. وهذه الصورة تثير الدهشة وربما شيئاً من الانزعاج عند الاستيقاظ، لكنها من الصور الرمزية التي تتكرر في الأحلام وليس في ظهورها ما يدعو إلى الخوف. فالتفسير رمزي لا حرفي، والأحلام في كثير من الأحيان تمزج الصور بلا منطق واضح. وكل ما يُقال هنا تأمل هادئ، والعلم الحق عند الله وحده.
واللبن في الرموز العامة يشير إلى الرزق الحلال الصافي والفطرة السليمة والحنان والرعاية. وهو غذاء نقي لين يدل على الصفاء. أما اللون الأحمر فهو في الرموز العامة قد يشير إلى الحيوية أو العاطفة أو انفعال القلب، وقد يرتبط بالمال في بعض الاجتهادات إذا اقترن بسياق مناسب. فتحوّل أحدهما إلى الآخر قد يُفهم على أنه انتقال في حال من حال، لا أكثر من ذلك.
ومن المعاني التي قد تخطر عند تأمل هذه الصورة أن بعض الأمور التي كانت هادئة صافية في حياة الرائي قد تتغير صفتها، كأن ينتقل من حال راحة إلى حال نشاط وحركة، أو من علاقة هادئة إلى موقف يحتاج إلى حسم. وقد يكون ذلك دعوة لطيفة إلى التيقظ وحسن التدبير والتأني، لا إنذاراً بشيء. وقد يعبّر أحياناً عن شعور داخلي بالتوتر أو التغيّر، فالنفس تُحوّل مشاعرها إلى صور.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن اللبن يُنظر في تأويله إلى المال الحلال والفطرة، وأنه إذا تغير حاله تغير معناه بحسب ما تغير إليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء اللبن علامة نفع، وأن ما يخالطه أو يتحول إليه يُنظر فيه. على أن المفسرين اختلفوا في هذه الصور اختلافاً ملحوظاً، ولم يتفقوا على قول واحد، فتُقرأ هذه الأقوال على أنها اجتهادات يُستأنس بها.
ويتغير التأويل بحسب التفاصيل: فإذا كان التحول تدريجياً هادئاً فقد يشير إلى تبدل بطيء في أحوال الرائي، وإن كان سريعاً مفاجئاً فقد يعكس انفعالاً أو دهشة. وإن كان الرائي هو من يشرب أو من يسكب فذلك أخف من مشاهدة المنظر من بعيد. وشعوره في المنام أهم قرينة، فالطمأنينة تدل على خفة المعنى، والفزع يدل غالباً على أثر القلق اليومي لا على أمر محدد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر المنام عن مشاعر متضاربة بين صفاء وانفعال في أمر عاطفي أو دراسي، وهو مما يمر به الشباب كثيراً. وللمرأة المتزوجة قد يعكس انشغالها بأمور البيت وتبدل أحواله، ودعوة إلى الرفق والصبر. وللحامل فقد تتأثر رؤاها بالتغيرات الجسدية وما يرافقها من قلق طبيعي، وللمرضع كذلك، ولا يُحمل ذلك على أي معنى مقلق.
وللرجل قد يدل على كثرة ما يشغله من أعباء ومسؤوليات وتبدل في ظروف عمله أو ماله، ودعوة إلى التأني وأخذ الحيطة والتدبير. وقد يرتبط بمعنى التنبه إلى أن المال إذا اختلط بغير الطيب فسد نفعه، فيدعوه إلى تحري الحلال في معاملاته. وهذه قراءة وعظية رفيقة، ولا تحمل تخويفاً ولا جزماً، ويبقى الأمر كله بيد الله.
ومن دقائق التأويل أن ينظر الرائي إلى ما تلا هذا المشهد من أحداث الحلم، فإن انتهى بسكينة أو بعودة اللبن إلى حاله كان ذلك أدعى إلى الطمأنينة، وإن انقطع الحلم فجأة فهو من حديث النفس في الغالب. ومن المعلوم أن الأحلام الغريبة المركبة كثيراً ما تتولد من الأطعمة الثقيلة أو التعب أو كثرة التفكير، فلا ينبغي أن تُعطى أكثر من قدرها.
ومن الناحية النفسية والعملية يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى الراحة وتخفيف الضغط ومراجعة ما يثقل عليك. فخذ قسطاً من النوم والهدوء، وأكثر من الذكر والدعاء، وتحدث مع من تثق به عمّا يشغلك. وتحرَّ الحلال في رزقك وأحسن إلى من حولك، فإن في ذلك سكينة لا يزعزعها منام، وبركة يمنحها الله لمن شاء.
ومن المهم ألا يتعجل الرائي في ربط هذا المنام بحدث بعينه، فالأحلام التي تجمع صوراً متنافرة كاللبن واللون الأحمر قد تكون في كثير من الأحيان من اضطراب النوم أو الإجهاد أو مشاهدة ما يثير الانفعال قبل النوم. وقد ينشأ بعضها من تغيرات جسدية بسيطة كحرارة الغرفة أو الجوع أو الإفراط في الطعام. وإدراك ذلك يزيل عن النفس كثيراً من الهموم، فليس كل حلم رسالة، وليس كل غريب منها ذا دلالة.
وإذا أراد الرائي أن يستخلص من المنام معنى نافعاً، فخير ما يستخلصه الدعوة إلى مراجعة مصدر رزقه وتحري الطيب فيه، وإلى الرفق بنفسه وبأهله إذا اشتد الانفعال، وإلى حفظ اللسان والأعصاب عند الخلاف. فهذه كلها من الآداب المحمودة سواء كان وراء المنام دلالة أم لا، وهي عمل صالح يعود بالخير على صاحبه في كل حال.
ويحسن بمن أزعجه المشهد أن يتوضأ ويذكر الله ويحمده ويعود إلى النوم بطمأنينة، وألا يحدّث الناس بما يكره من الرؤى، فإن هذا من حسن الأدب ومن التيسير على النفس. وكل ذلك من الهدي العام الذي يخفف أثر الأحلام، ويعين المؤمن على المضي في يومه براحة وثقة بربه ولطفه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير كله اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في صحة أو مال أو علاقة. والأولى أن يقابل المسلم ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يستعيذ به من كل ما يكدّر. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو اللطيف الرحيم الذي لا يخيب من رجاه.
