قد يشاهد الإنسان في منامه كوب لبن يتغير لونه إلى الذهبي وتزداد كثافته حتى يصير عسلاً صافياً، أو يرى اللبن وقد صار شهداً حلو المذاق. وهذا من المشاهد التي تبعث على الابتسام لأنها تجمع بين رمزين محببين إلى النفوس. ومع ذلك ينبغي أن يُقرأ المنام قراءة رمزية لا حرفية، فالتحول في الحلم لا يعني وقوعاً مادياً في الواقع. وكل ما يُقال هنا تأمل واحتمال، والعلم بالغيب عند الله وحده.
واللبن في الرموز العامة يدل على الرزق الحلال الصافي والفطرة السليمة والغذاء النافع، وفيه معنى الحنان والرعاية والبركة. أما العسل فيحمل في الأذهان معنى الحلاوة والشفاء والنفع والخير العظيم، وهو من النعم التي يُنظر إليها بكثير من التفاؤل. فتحول اللبن إلى عسل قد يُقرأ على أنه ازدياد في الحلاوة والمنفعة، أو انتقال من خير طيب إلى خير أحلى وأعمّ فائدة.
ومن المعاني المحتملة أن يكون الرائي في طور يؤول فيه جهد عادي إلى ثمرة حلوة المذاق، أو أن علاقة هادئة تتحول إلى مودة أعمق. وقد يعبّر المنام عن رجاء داخلي بأن الخير الذي يعيشه سيزداد ويتحلى. وهذا من حسن الظن بالله الذي يُحمد، ولا يُقطع به كواقع، فالله هو الذي يقسم الأرزاق ويصرف الأحوال كيف يشاء.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن العسل يدل في الجملة على الخير والنفع والحلاوة، وأن حسن حال الشيء المتحول إليه محمود. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء ما يراه النائم من الأشربة والأطعمة علامة خير. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في تفاصيل كثيرة، ولا إجماع على صورة بعينها، فتُقرأ هذه الأقوال اجتهاداً لا أكثر.
ويتغير التأويل بحسب التفاصيل: فإن كان التحول هادئاً والعسل صافياً ذهبياً فهو أقرب إلى البشرى، وإن كان العسل ممزوجاً بغيره أو غريب الطعم فقد يشير إلى حاجة إلى تدقيق وتحرٍّ. وإن كان الرائي يتذوقه وهو لذيذ فالمعنى النفسي أطيب، وإن رآه من بعيد فهو رجاء أخف. وكمية العسل وإناؤه ومن حضر معه كلها قرائن تكمل الصورة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز المنام إلى حلاوة في أمر قادم من علاقة طيبة أو نجاح أو راحة بال، وقد يعبر عن أمنيات حلوة تراودها. وللمرأة المتزوجة قد يدل على مودة تزداد في بيتها وبركة في أحوال أسرتها. وللحامل قد يعكس شعوراً بالسعادة والترقب، وللمرضع قد يوحي بالرضا والاطمئنان، وكلها معانٍ نفسية لطيفة قريبة من حال الأمومة.
وللرجل قد يدل على عمل يثمر ثمرة أحلى مما توقع، وعلى مودة تزيد بينه وبين أهله وأصحابه. وقد يوحي بأن صبره على أمر ما سيُكافأ بحلاوة في العاقبة. ويحسن أن يظل متواضعاً شاكراً، فالحلاوة نعمة من الله تُشكر ولا يُغتر بها، والمؤمن في الخير يشكر وفي الضيق يصبر، وكلاهما خير له.
ومن دقائق التأويل أن ينظر الرائي إلى لون العسل وصفائه ولزوجته، وهل بقي من اللبن أثر، فإن بقيت آثار اللبن فهي دلالة على استمرار الأصل الطيب مع إضافة الحلاوة. وإن ظهر العسل مجرداً تماماً فهو أقرب إلى انتقال كامل في الحال. وهذه لمحات صغيرة لا تغيّر المعنى العام المحمود، لكنها تثري الفهم لمن أراد التأمل.
ومن الناحية النفسية قد يكشف الحلم عن تطلع إلى حياة أكثر حلاوة وسعادة، أو عن إحساس بأن الأمور تتجه إلى الأفضل. وقد ينبّه إلى أن الاعتدال في الحلاوة مطلوب، فالإفراط في أي شيء قد يملّ. فاجعله دافعاً إلى الشكر والاعتدال في المعيشة والإحسان للناس، فإن حلاوة الإيمان وطيب الخلق هما أصل كل حلاوة صادقة.
ومما يُلاحظ في تراثنا أن العسل ارتبط في أذهان الناس بالشفاء والبركة، فهو من النعم التي تُذكر في سياق الخير والفائدة. ولذلك فإن اجتماع صورة اللبن والعسل في منام واحد قد يوقظ في النفس شعوراً عاماً بالنعيم والرضا. ويحسن بالرائي أن يستقبل هذا الشعور بالشكر، فإن النعمة إذا شُكرت زادت، وإذا غُفل عنها قلّ أثرها في القلب وإن كثرت.
وقد يكون الحلم أحياناً من أثر رغبة في الحلويات أو من ذكرى مائدة طيبة، فتخلط النفس بين المألوفات وتنتج مزيجاً حلو المذاق. وفي هذه الحال لا يكون فيه رمز كبير، بل مجرد استحضار للذائذ الحياة. ولا بأس في ذلك، فالأحلام تتنوع بين ما فيه معنى وما هو من حديث النفس، ولا يلزم أن يُحمَّل كل منام دلالة عميقة.
ومن حسن الأدب في الأحلام الحسنة أن يحمد المرء الله عليها وأن يحدّث بها من يحب ويثق به إن شاء، وألا يبالغ في التعلق بها. وليجعلها حافزاً للعمل الصالح والإحسان، فإن أطيب الحلاوة ما كانت في الطاعة وحسن الخلق وصحبة الصالحين، وهي الحلاوة التي تبقى ولا تزول.
وفي الختام، فإن هذا التفسير كله اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الارتباط. والأولى أن يقابل المسلم ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وشكره على نعمه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يرزق من يشاء بغير حساب.
