كثيراً ما يرى الإنسان في نومه فنجان قهوة قد خُلط به اللبن، فيشربه وحده أو مع صديق أو في ساعة صباح هادئة. وهذا المشهد من أكثر ما يتكرر في الأحلام لمن اعتاد القهوة في يومه، فهو قريب من الواقع ومن عادات الناس. غير أن علم التأويل ينظر إلى الصور نظرة رمزية، فلا يجعل الفنجان في المنام خبراً حرفياً عن المستقبل. وإنما هو إشارة قد توحي بمعنى لطيف، ويبقى اليقين عند الله وحده.
واللبن في أصل الرموز عند أهل التعبير يدل على الرزق الحلال الصافي والفطرة النقية والخير الذي لا شائبة فيه. وهو غذاء الصغار وأول ما يتذوقونه، فيحمل معاني العناية والحنان والبركة. ويرتبط كذلك بالعلم النافع الذي يغذي العقل كما يغذي اللبن الجسد. ولهذا تنظر أكثر الأقوال إليه بعين الاستحسان ما دام صافياً طيب الطعم.
وأما القهوة فهي في الرموز العامة علامة على اليقظة والنشاط وجدّ العمل وربما شيء من المرارة التي تصحب الاجتهاد. فإذا اجتمع اللبن بها فكأن الرؤيا تجمع بين نشاط العمل ولين العاقبة، وبين الجد والرفق. وقد يُفهم من ذلك أن الرائي يسعى في أمر فيه تعب لكنه سيخفّف الله عنه بلين ويسر. ويُحتمل أن يكون المعنى توازناً مطلوباً بين الطموح والراحة.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يُنقل عنه أن اللبن عموماً يدل على مال حلال وفطرة، وأن الممزوج به يُنظر فيه إلى طبيعة الممزوج ومقداره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء اللبن وحسن طعمه من علامات الخير. لكن المفسرين اختلفوا في كثير من التفصيلات، ولم يرد عنهم نص قاطع في القهوة تحديداً، فيُجتهد فيها بالقياس على الأصول العامة، والاجتهاد قابل للخطأ.
ومما يغيّر المعنى طعم المشروب ودرجة حرارته وحسن مظهره. فقهوة باللبن لذيذة معتدلة تدل على رزق متوازن وسعي مثمر، بينما إن كانت شديدة المرارة أو فاترة منفّرة فقد تعكس إرهاقاً أو ضغطاً في العمل. ومن قدّمها لك أو شاركك شربها أثره كذلك، فالصاحب الودود قد يدل على عون وتعاون، والغريب قد يدل على فرصة غير متوقعة. وهل شربتها على مهل أم على عجل يضيف لوناً آخر للمعنى.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير المنام إلى مرحلة نشاط في الدراسة أو العمل يصحبها لطف وتوفيق، أو إلى تعارف طيب يبدأ بجلسة هادئة. وللمرأة المتزوجة قد يدل على بيت يجمع بين الجد والمودة وعلى رزق يأتي بحسن إدارة. أما الحامل فقد يعكس حاجتها إلى الراحة بعد جهد، وللمرضع قد يعبّر عن رغبتها في استعادة نشاطها دون إرهاق نفسها.
وللرجل قد يدل المنام على عمل يتطلب جهداً لكنه يثمر رزقاً طيباً إن أحسن التدبير وتحلى بالرفق مع الناس. وقد يكون إشارة لصفقة هادئة أو عمل تعاوني تسوده المودة. وإن كان الرجل مجتهداً في طلب علم أو وظيفة فقد يرى في المنام تلطيفاً لتعبه وبشارة رمزية بأن الجهد لا يضيع. ويبقى هذا كله احتمالاً لا جزماً.
ومن دقائق التأويل الالتفات إلى لون المزيج، فاللون المتجانس يدل على انسجام في الأمور، والمزيج المتفرق قد يشير إلى تشتت في الأولويات. وإن لاحظ الرائي حلاوة معتدلة فذلك أدعى إلى الاستبشار، أما الإفراط في السكر أو المرارة فقد يوحي بضرورة الاعتدال. وهذه كلها قرائن صغيرة تضيف إلى الصورة العامة ولا تغيّرها جذرياً.
ومن الناحية النفسية قد يعبر الحلم عن رغبة في موازنة وقتك بين العمل والراحة، وعن حاجتك إلى ما يمنحك طاقة دون أن يرهقك. وربما انعكس فيه عادة يومية تحبها أو ذكرى جلسة طيبة. فاجعله دافعاً إلى تنظيم يومك والعناية بأهلك وصحتك، وإلى القناعة بما رزقك الله وشكره عليه، فالرزق يشمل الوقت والصحة والمودة.
ومما يحسن التنبيه إليه في هذا المنام أن الجمع بين مشروبين في كوب واحد يوحي بفكرة التوفيق بين أمرين، كالتوفيق بين العمل والبيت، أو بين الطموح والقناعة. فإذا كان الرائي يمر بمرحلة تتجاذبه فيها الأولويات، فقد يأتي المنام ليعكس هذا الانشغال بصورة ودودة مألوفة. وليس في ذلك ما يدعو إلى القلق، بل هو تذكير لطيف بأن الاعتدال أنفع من الإفراط. ويمكن للمرء أن يستفيد منه بأن يرتب وقته ويعطي كل ذي حق حقه، ويدعو الله أن يبارك له في سعيه وراحته معاً.
وفي الختام، فإن هذه الأقوال كلها محاولات تأويل بشرية ظنية، قد تصيب وقد تخطئ، ولا يجوز أن تكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو مال أو علاقة. وخير ما يفعله المسلم أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن ظنه بربه، وأن يستعين بالله في أموره كلها. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أرحم بنا وأعلم بما يصلحنا.
