من أجمل ما يراه الإنسان في منامه لبنٌ أبيض ناصع نقي، في كأس أو إناء أو جدول صغير، يملأ العين صفاءً والقلب طمأنينة. وهذه الصورة مألوفة عند الناس، وتبعث عادة على الارتياح حين الاستيقاظ لما فيها من نقاء وبياض. ومع ذلك فهي رمز لا حقيقة مادية، والتفسير فيها قراءة هادئة لا قطعاً ولا جزماً. وكل ما يأتي هنا تأمل واحتمال، والعلم بالغيب عند الله وحده.
واللبن في الرموز العامة يدل على الرزق الحلال الصافي، وعلى الفطرة السليمة والطبع القويم، وعلى الغذاء النافع والحنان والرعاية. فإذا اجتمع معه صفة البياض والنقاء فقد زاد المعنى وضوحاً وجمالاً، لأن البياض في الذوق العام يرمز إلى الصفاء وصدق النية وصحة السريرة. ولهذا ينظر أكثر المفسرين إلى اللبن الأبيض النقي نظرة استحسان من غير تحفظ كبير.
ومن المعاني المحتملة أن يكون الرائي على حال من الصلاح والنية الحسنة، أو أنه يسعى في رزق طيب لا شبهة فيه، أو أنه ينتظر خيراً صافياً يأتيه بلا كدر. وقد يعبر المنام عن نفس مطمئنة صافية تحب الخير للناس وترجو من الله الفضل. وهذه معانٍ تحمل التفاؤل، ولا تُجعل دليلاً قاطعاً على أمر معيّن، فالله أعلم بما في الصدور وأقدر على كل خير.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن صفاءه دليل على صفاء الأمر الذي يرمز إليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اللبن الصافي من علامات الخير والعلم النافع. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في تفاصيل كثيرة من صور اللبن، فلم يجمعوا على قول واحد في كل مسألة، فتُؤخذ هذه الأقوال على أنها اجتهادات يُستأنس بها.
ويتغير التأويل بحسب التفاصيل: فإن كان اللبن بارداً لذيذ الطعم فذلك دليل على راحة ورضا، وإن كان دافئاً فهو أقرب إلى معنى الحنان والرعاية. ومن قدّمه لك مهم، فالوالدان يدلان على بر وعناية، والغريب الطيب قد يدل على خير غير متوقع. وكثرته أو قلته وطريقة شربه وإناؤه كلها قرائن، لكن الأصل يبقى محموداً ما دام البياض والنقاء حاضرين.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز المنام إلى صلاح حالها وطيب سمعتها وخير مقبل عليها، وقد يدل على خلق نقي ورزق مبارك. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى صفاء بيتها واستقرار أسرتها ومودة زوجها. وللحامل قد يعبر عن طمأنينة بشأن حملها وراحة بالها، وللمرضع قد يدل على وفرة العطاء وسكينة الأمومة، وهذه كلها من الأمنيات الطيبة والاحتمالات الرمزية.
وللرجل قد يدل على رزق حلال ونية صافية ومعاملة حسنة مع الناس، وعلى علم نافع يُنتفع به. وقد يشير إلى استقامة في دينه وخلقه ورجاء قبول عند الله. ومن رأى ذلك وهو في تجارة فليتحرَّ الصدق والأمانة، ومن كان طالب علم فليحرص على الإخلاص، فإن النقاء في النية أصل كل بركة في العمل والرزق.
ومن دقائق التأويل أن ينظر الرائي إلى خلو الإناء من الشوائب والرائحة الطيبة للبن، فهذه القرائن تزيد البشرى. وإن كان اللبن في موضع مميز كإناء من زجاج أو فضة فقد يوحي بسعة ورفعة، لكن لا يُبالغ في الاستنتاج. وإن شعر الرائي بالامتنان والسكينة أثناء الشرب فذلك من أطيب ما يكون في المنام، ويكفي أن يحمد الله عليه.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن ارتياح داخلي وصفاء في المشاعر، وعن رغبة في حياة نقية هادئة بعيدة عن التعقيد. وهو دعوة إلى المحافظة على هذا النقاء بحسن الخلق وصدق الحديث وتحري الحلال وتقدير النعم. فاشكر الله على ما أعطاك، وزد في الإحسان إلى من حولك، فإن الصفاء الحق ثمرة قلب يخاف الله ويرجوه.
ولا ينبغي أن يُفهم من هذه البشرى أن كل من لم يرَ لبناً أبيض نقياً في منامه محروم من الخير، فالله يرزق عباده من أبواب كثيرة، والرؤيا ليست ميزاناً لقدر أحد. وإنما هي لمسة لطيفة قد يتفضل الله بها فتبعث في القلب أنساً. فمن رآها فليحمد الله ولا يتكبر، ومن لم يرها فلا ينقص ذلك من خيره شيئاً، فالعبرة بالعمل الصالح وحسن القصد لا بالمنامات.
وقد يلاحظ بعض الناس أن البياض في الأحلام عموماً يرتبط بالهدوء والسلام الداخلي، وأن اللبن الأبيض يأتي أحياناً بعد فترة تعب أو توتر كأنه استراحة للنفس. وفي هذه الحال يكون الحلم أقرب إلى مكافأة معنوية لطيفة، تدعو صاحبها إلى الاستراحة والاعتناء بنفسه. ولا بأس أن يفهمه على هذا الوجه البسيط ويستثمره في ترتيب راحته وغذائه ونومه.
ومن جميل ما يُنصح به أن يربط المرء بين صفاء ما رآه وصفاء ما يعمله، فيجتهد في أن يكون كسبه طيباً وكلامه طيباً ومعاملته طيبة. فهذه الثلاثة هي ما يجعل الرزق نقياً حقاً، والنية الصافية هي ما يجعل البركة تنزل على القليل والكثير، وهي ثمرة حسن الظن بالله والعمل بما يرضيه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير كله اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الارتباط. والأولى أن يقابل المسلم ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وشكره على نعمه. والغيب لا يعلمه إلا الله، فنسأله من فضله العظيم الخير والبركة.
