من الأحلام التي قد يتوقف عندها الإنسان أن يُقدَّم له اللبن فيمتنع عن شربه، أو يدير وجهه عنه، أو يضع الكأس جانباً دون أن يتذوقه. وهذه صورة قد تثير التساؤل، وتتكرر عند بعض الناس لأسباب نفسية وجسدية متعددة. وينبغي أن تُقرأ قراءة رمزية هادئة لا حرفية، فهي لا تعني حرماناً ولا شراً. وكل ما سيأتي تأمل واحتمال، والعلم الحق عند الله وحده، وهو أعلم بما في النفوس.
واللبن في الرموز العامة يدل على الرزق الحلال الصافي والفطرة السليمة والغذاء النافع والحنان والرعاية. والامتناع عن شربه في المنام قد يُفهم بوجوه متعددة بحسب سبب الامتناع، فقد يكون حذراً أو زهداً أو عدم رغبة أو شعوراً بالشبع أو انشغالاً بغيره. ولا يحمل الامتناع في ذاته حكماً سيئاً، فالمعنى يتوقف على الشعور الذي رافقه والسياق الذي جرى فيه.
ومن المعاني المحتملة أن الرائي يمر بمرحلة لا يميل فيها إلى الاستجابة لعرض أو فرصة تُقدَّم له، إما لحذر مشروع أو لأنه يشعر أنها لا تناسبه. وقد يعبّر المنام عن استقلالية في الرأي وتمهّل قبل اتخاذ القرار. وقد يكون كذلك من أثر شبع أو نفور بسيط من الطعم قبل النوم. وكل ذلك تأمل لا جزم، فالأحلام كثيراً ما تحمل ما في النفس من ميل ونفور.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن حال الشارب منه ومن يعرض عليه يؤثر في التفسير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء اللبن علامة نفع. غير أن المفسرين اختلفوا في تفصيل مواقف الامتناع والقبول، ولم يتفقوا على قول واحد، فتُؤخذ هذه الأقوال على أنها اجتهادات يُستأنس بها ولا يُجزم بها.
ويتغير التأويل بحسب التفاصيل: فإن كان الامتناع عن رغبة هادئة من غير غضب فهو أقرب إلى حسن التروّي، وإن كان عن نفور شديد فقد يعبر عن توتر أو ضغط. وإن امتنع لأن اللبن بدا غير نظيف فذلك حذر محمود. ومن قدّم اللبن ومدى إلحاحه وهل كان الرائي صائماً في الحلم أو شبعان، كلها قرائن تفيد في فهم السبب الحقيقي للامتناع.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر المنام عن تمهلها في قبول عرض أو علاقة أو اتجاه، وعن حرصها على الاختيار الذي تطمئن إليه. وللمرأة المتزوجة قد يدل على حذرها في بعض شؤون البيت أو تفضيلها الانتظار قبل القرار. وللحامل قد يرتبط بتغيرات الشهية والذوق في الحمل، وللمرضع بما تشعر به من حاجات جسدية، وهي أمور طبيعية جداً في هذه المراحل.
وللرجل قد يدل على تروٍّ في قبول عرض عمل أو شراكة أو معاملة، وعلى رغبته في التثبت قبل الدخول فيها. وقد يوحي بزهد في أمر لا يحتاجه أو بتفضيل لما هو أنفع له. وهذه قراءة هادئة قد تكون حكمة، فالتأني من الله، والعجلة من الشيطان كما يقول أهل العلم، ولكن دون الجزم بأن المنام يقصد ذلك بعينه.
ومن دقائق التأويل أن يتأمل الرائي هل شعر بالندم بعد الامتناع أو بالراحة، فالراحة تدل على أن موقفه كان في محله، والندم قد يشير إلى تردد في أمر مرجأ. كما ينظر هل امتنع هو بنفسه أم منعه أحد، فالأول اختيار والثاني قد يعبّر عن عوائق أو ظروف. وهذه الفروق تثري التأمل دون أن تقطع بشيء، وأمر الأرزاق والفرص بيد الله.
ومن الجوانب النفسية أن الأحلام قد تعكس صراعاً داخلياً بين الرغبة والتحفظ، وبين ما نحبه وما نخشاه. فإذا وجد الرائي نفسه يمتنع في المنام عن شيء طيب، فلعله يتساءل في اليقظة عن أمر يتردد فيه. وأفضل ما يفعله حينئذ أن يستخير الله ويستشير أهل الرأي والخبرة، ثم يمضي في الأمر بقلب مطمئن، فمن استخار وشاور لم يندم بإذن الله.
ومن الناحية العملية قد يكون الحلم دعوة إلى مراجعة اختياراتك وما تقبله وما ترفضه في حياتك، وإلى الاستماع إلى جسدك وراحتك. فلا تحمّل نفسك ما لا تطيق، ولا تتحرج من الاعتذار عما لا يناسبك بأدب. وأكثر من الدعاء بأن يرزقك الله الاختيار الصحيح، وأن يصرف عنك ما لا خير فيه. فالله أعلم بمصلحة عباده ويدبّر لهم ما هو خير.
وقد يكون في الامتناع حكمة أحياناً، فالإنسان الفطن لا يقبل كل ما يُعرض عليه حتى يتبين له وجه الخير فيه. ومن هنا يمكن أن يتحول الحلم إلى تذكير هادئ بقيمة الاختيار الواعي، وبأن الرفض اللطيف في موضعه لا ينقص من الأدب شيئاً. وليحذر المرء كذلك من الإفراط في رفض الخير بدافع التردد، فالتوازن بين التروّي والإقدام هو سمة العقلاء.
وفي الختام، فإن هذا التفسير كله اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في قبول أمر أو رفضه. والأولى أن يقابل المسلم ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله والاستخارة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أعلم بما يصلح عباده.
