رؤية وجه الأب في المرآة أثناء المنام رمز يتصل بالذاكرة والجذور والسند وبما تركه الأب في صورة الإنسان عن نفسه. والرؤيا في أصلها صورة رمزية من أفكار الرائي ومشاعره، وليست إخبارًا حرفيًا بواقع قادم، ولا تدل على حال أحد. وقد يرى الإنسان في المرآة ملامح أبيه أو شبهه به فيتوقف عندها بمشاعر من الحنين أو الامتنان أو التأمل. وهذه الصورة تُفسَّر هنا بوصفها ذاكرة وصلة بالأصل، لا بوصفها خبرًا عن أحد. وما يُذكر هنا احتمالات للتأمل تقرب أو تبعد بحسب حال الرائي.
المرآة رمز لمراجعة الذات والصدق مع النفس وللتأمل في رؤية الإنسان لنفسه ورؤية الناس له. ووجه الأب فيها قد يرمز إلى ما ورثه الإنسان من صفات وطباع وقيم، وإلى الصلة التي تربطه بجذوره وبتاريخ أسرته. وقد يدل على تأمل الرائي في ما أخذه عن أبيه وما اختار أن يختلف فيه. وقد يعبر عن حاجة إلى السند والاطمئنان، أو إلى استحضار نموذج في الثبات والمسؤولية. ويظل المعنى عامًا غير جازم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأب في الرؤى قد يدل على السند والأصل والمرجع الذي يستند إليه الإنسان، وأن المرآة ترتبط بالزوجة أو الصاحب أو حال الإنسان. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتصل بالأبوة في المنام يشير إلى معاني الأصل والرعاية. وتختلف آراء المفسرين في تفصيل ذلك، فمنهم من يربطه بالمكانة ومنهم من يربطه بالقيم. ورؤية وجه الأب في المرآة بالذات أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيغلب فيها الاجتهاد المعاصر. ولا ينبغي الجزم بمعنى واحد.
يتأثر المعنى بشعور الرائي وهو ينظر إلى ذلك الوجه. فإن شعر بالطمأنينة والامتنان فقد يدل على صلة طيبة بالجذور وبما تعلمه. وإن شعر بالحنين فقد يعبر عن شوق إلى ذكريات وأوقات مضت. وإن شعر بالحيرة فقد يرتبط بسؤال حول ما ورثه وما يريد أن يتركه. وإن رأى الشبه بين ملامحه وملامح أبيه فقد يرتبط ذلك بتأمل الامتداد بين الأجيال. والمشاعر المصاحبة هي أدق دليل.
وللعزباء قد يشير وجه أبيها في المرآة إلى علاقتها بالسند وبالقيم التي نشأت عليها، وإلى استحضارها لنصائح وكلمات بقيت في ذاكرتها. وقد يدل على رغبتها في أن تجد في مستقبلها سندًا قريبًا من ذلك. وقد يعبر عن تأمل في الشبه بينها وبين أبيها. وإن شعرت بالحنين فهو شعور إنساني طبيعي. ولا يتجاوز ذلك دلالة رمزية على ذاكرتها.
وللمتزوجة قد يشير وجه أبيها في المرآة إلى ذكرى بيت أهلها وما تعلمته فيه، وإلى مقارنة بين ما نشأت عليه وما تعيشه في بيتها. وقد يعبر عن حنين إلى الأصل أو إلى شعور بالأمان الأول. وقد يدل على رغبتها في أن تنقل قيمًا طيبة إلى أبنائها. وإن شعرت بالتأثر فالأولى أن تتقبل شعورها بهدوء. فالذاكرة الطيبة زاد نافع.
وأما الرجل فقد يدل وجه أبيه في المرآة في رؤياه على تأمله في ما ورثه من صفات وفي دوره الذي يؤديه اليوم كأب أو ابن أو رجل مسؤول. وقد يعبر عن استحضار نموذج في الصبر والجهد. وقد يشير إلى رغبته في أن يكون سندًا لمن حوله كما احتاج إلى سند. وإن شعر بالحنين فهو شعور إنساني نبيل. وكل ذلك احتمال لا يقطع بحال.
ومن التفاصيل الدقيقة هل ظهر الوجه بجانب وجه الرائي أم مكانه، وهل كان هادئًا أم جادًا، وهل كان في المشهد كلام أو صمت. فالوجه الهادئ قد يوحي بسكينة في الذاكرة، والجاد قد يوحي بتفكير في المسؤولية، والصمت قد يوحي بتأمل. وإن بدا الشبه بين الوجهين فقد يرتبط بالامتداد والجذور. وتبقى هذه كلها قرائن عامة لا تثبت شيئًا. ولا يُقصد بها أي خبر عن أحد.
وعمليًا يمكن أن تكون الرؤيا دعوة إلى تقدير ما ورثه الإنسان من خير والتصالح مع ما لا يريد أن يستمر فيه. ويفيد أن يكتب ثلاث صفات طيبة تعلمها من أبيه، وأن يتقبل ذاته بالرفق وهو يجمع بين الإرث والاختيار. كما يفيد أن يراجع أهدافه بما يوافق قيمه. وهذا التفسير ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وإذا كان عدم الرضا عن الشكل شديدًا ومستمرًا أو كانت الأفكار السلبية عن الذات تتكرر، فمن المناسب التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالتأمل في الجذور يمنح الإنسان ثباتًا.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على رؤيا واحدة قرار ولا خبر عن أحد. وحسن الظن بالله يمنح القلب طمأنينة وهو يتأمل جذوره. ويُدعى الله أن يجعل لكل رائي سندًا طيبًا وسكينة في أمره. وليمض الرائي في سعيه مطمئنًا.
