رؤية الإنسان نفسه ينظر إلى المرآة في المنام من أكثر صور هذا الباب شيوعًا، وهي تحمل معنى المراجعة والتأمل. والرؤيا في أصلها صورة رمزية من أفكار الرائي ومشاعره، وليست إخبارًا حرفيًا بواقع قادم. وقد يرى الإنسان نفسه واقفًا أمام مرآة يتأمل صورته بهدوء أو بفضول أو بتوتر. وما يُذكر هنا احتمالات للتأمل تقرب أو تبعد بحسب حال الرائي. ويأخذ منها ما يناسبه ويترك ما عداه.
النظر إلى المرآة رمز لمراجعة الذات والصدق مع النفس وللتأمل في رؤية الإنسان لنفسه ورؤية الناس له. فالفعل هنا هو المقصود لا الأداة وحدها، لأن النظر يعني توقفًا واختيارًا للمواجهة الهادئة مع الصورة. وقد يدل على مرحلة يسأل فيها الإنسان نفسه عن مسيرته وعما يريد. وقد يعبر عن رغبة في فهم الواقع حوله بصورة أصدق. ومشاعره أثناء النظر، من رضا أو قلق أو فضول، تحدد وجهة المعنى.
نُسب إلى ابن سيرين أن النظر في المرآة قد يدل على التبصر في أمر الدنيا أو الأهل، وأن لرؤية الوجه فيها دلالات تتعلق بحال صاحبه عند الناس. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المرآة تتصل بما يظهر من حال الإنسان وصورته. وتختلف آراء المفسرين في هذه الدلالات، فمنهم من يميل إلى جانب الأهل ومنهم من يميل إلى جانب الذات والأحوال. والتفاصيل الدقيقة لطريقة النظر أقل تناولًا في الكتب القديمة، فالاجتهاد فيها قائم على السياق. ولا ينبغي الجزم بمعنى واحد.
يتأثر المعنى بنوع النظر وزمنه. فإن كانت نظرة عابرة سريعة فقد تدل على اهتمام عارض بالمظهر أو الانطباع. وإن كانت تأملًا طويلًا فقد تعبر عن مراجعة عميقة لأمر يشغل الرائي. وإن كان يتأمل بابتسامة فقد يدل ذلك على رضا، وإن كان يتأمل بتجهم فقد يعبر عن قلق أو نقد للنفس. وإن نظر بحثًا عن شيء معين في وجهه أو هيئته فقد يرتبط الأمر بتفصيلة تشغله.
وللعزباء قد يشير النظر إلى المرآة إلى مرحلة مراجعة لنفسها وأهدافها، وإلى رغبة في أن ترى صورتها بوضوح قبل خطوة جديدة. وقد يدل على اهتمامها بنظرة الآخرين أو على بحثها عن ثقة أكبر. وإن كانت تنظر بمحبة لنفسها فقد يعبر ذلك عن قبول ينمو. وإن كانت تنظر بنقد قاس فقد تحتاج إلى مزيد من الرفق بنفسها. ولا يتجاوز ذلك دلالة رمزية على حالها.
وللمتزوجة قد يشير النظر إلى المرآة إلى وقفة مع نفسها وسط انشغالها بالأسرة، وإلى رغبتها في أن تعرف ما تحتاجه هي لا غيرها فقط. وقد يعبر عن مراجعة لدورها وجهدها وعلاقتها بمن حولها. وقد يدل على حاجتها إلى تقدير أكبر لذاتها. وإن شعرت بالحزن فقد يعبر عن تعب يحتاج إلى راحة وإلى كلمة طيبة. والأولى أن تتعامل مع الرؤيا بهدوء.
وأما الرجل فقد يدل النظر إلى المرآة في رؤياه على مراجعة لمسيرته ومكانته وقراراته، وعلى رغبة في أن يرى نفسه بإنصاف. وقد يعبر عن استعداد لمرحلة جديدة في العمل أو الأسرة. وقد يشير إلى حاجته إلى وقفة صادقة بعد انشغال طويل بالمهام. وإن كان قلقًا فقد تكون الرؤيا انعكاسًا لذلك القلق. والمراجعة الهادئة أنفع من الإفراط في الشك.
ومن التفاصيل الدقيقة ما يراه الإنسان حين ينظر، فإن رأى وجهه واضحًا فالمعنى يميل إلى وضوح الذات، وإن رأى ما خلفه فقد يرتبط بالواقع المحيط، وإن لم يرَ شيئًا فقد يدل على حاجة إلى مزيد من التأمل. وكذلك مكان الوقوف وحال المرآة والإضاءة، فكلها تعدل المعنى بدرجات. وإن كان معه أحد ينظر إلى المرآة نفسها فقد يرتبط بالعلاقات. وتبقى هذه كلها قرائن عامة لا تثبت شيئًا. ومن المفيد أن يتذكر الرائي شعوره الأول.
وعمليًا يمكن أن تكون الرؤيا دعوة إلى لقاء صادق ولطيف مع النفس، فيسأل الإنسان نفسه ما الذي يرضيه وما الذي يريد أن يغيره. ويفيد أن يتكلم مع نفسه بلغة الرفق التي يتكلم بها مع صديق عزيز، وأن يكتب أهدافه القريبة. كما يفيد أن يتقبل ذاته مع عيوبها ومزاياها. وهذا التفسير ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وإذا كان عدم الرضا عن الشكل شديدًا ومستمرًا أو كانت الأفكار السلبية عن الذات تتكرر، فمن المناسب التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالنظر الرفيق إلى الذات يفتح باب التغيير.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على رؤيا واحدة قرار. وحسن الظن بالله يمنح الإنسان طمأنينة وهو ينظر إلى نفسه. ويُدعى الله أن يجعل لكل رائي بصيرة في أمره وسكينة في قلبه. وليمض الرائي في سعيه مطمئنًا.
