قد يرى النائم أنه ينظر إلى مرآة فلا يجد فيها غرفته أو نفسه، بل يرى مكانًا آخر كبحر أو بستان أو شارع أو بيت غريب. وهذه رؤيا رمزية في الغالب، وهي تعبير عن حالة الرائي النفسية وتطلعاته، وليست رؤية حقيقية لمكان موجود ولا إخبارًا عن أمر سيقع فيه. ولا أساس لتفسيرها بوجود كائنات أو قوى في المرآة. ولذلك فإن القراءة المذكورة هنا عامة وليست جزمًا بشيء، والرائي أعلم بظروفه. ويحسن أن تؤخذ الرؤيا بهدوء وفضول.
المرآة في الرؤى ترتبط بمراجعة الذات وبالصورة الذاتية وبالصدق مع النفس وبما يعكسه الواقع حول الإنسان. وحين تعكس مكانًا غير مكان الرائي، فإن الصورة الذاتية تحل محلها بيئة أخرى، وهذا قد يدل رمزيًا على أن فكره متعلق بذلك المكان أو بما يمثله من معنى. وقد يعبر عن رغبة في تغيير الواقع أو في الانتقال إلى حال مختلفة، أو عن حنين إلى مكان أو مرحلة. وقد يدل كذلك على أن الرائي يبحث عن ذاته في مكان غير الذي هو فيه. وهو في الجملة رمز لتطلع الإنسان إلى ما وراء واقعه.
نُسب إلى ابن سيرين في باب المرآة أنها قد تتصل بالأهل وبمعرفة المرء بحاله، ولا يُعرف عنه كلام مفصل في مرآة تعكس مكانًا آخر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الأماكن في المنام تتأثر بحال المكان وصفاته، فالمكان الواسع الجميل يوحي بسعة وانفراج بخلاف الضيق. غير أن الآراء تختلف، ولا يصح الجزم بنسبة هذه المعاني إلى أصحابها كما هي. كما أن هذا الرمز من الصور الأقل شيوعًا، ولذلك فهو أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيبقى التأويل اجتهادًا يقوم على دلالة المرآة ودلالة المكان المرئي.
للمكان المرئي أثر كبير في المعنى. فإن كان المكان بحرًا أو سماء واسعة، فقد يرتبط بالتطلع إلى مجال أرحب وبرغبة في الانطلاق. وإن كان بستانًا أو ريفًا، فقد يدل على حاجة إلى هدوء وراحة. وإن كان شارعًا مزدحمًا أو مدينة، فقد يعكس رغبة في حياة أنشط أو قلقًا من ضجيجها. وإن كان بيتًا قديمًا مألوفًا، فقد يعبر عن حنين إلى مرحلة سابقة. وللرائي أن يسأل نفسه عما يعنيه له هذا المكان تحديدًا، فالمعنى الأقرب هو ما يستشعره هو.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة مرآة تعكس مكانًا آخر، فقد يدل ذلك على تطلعها إلى تغيير بيئتها، كسفر أو دراسة أو عمل في مكان جديد، أو على حنين إلى أيام وأماكن مضت. وقد يشير إلى رغبة في اكتشاف نفسها خارج محيطها المعتاد. وإن كان المكان جميلًا مريحًا، فقد يعبر ذلك عن أمل هادئ. ولا يعني الحلم أنها ستنتقل إلى هذا المكان أو أنه يخبئ لها شيئًا. وتبقى المعاني احتمالات يُنظر فيها بحسب حالها.
أما المرأة المتزوجة فقد يعبر الحلم عندها عن رغبة في تغيير جو البيت أو حاجة إلى راحة واستجمام بعيدًا عن المشاغل المعتادة. وقد يتصل بحنين إلى أهلها أو مكان نشأتها. وأما الرجل فقد يدل المشهد عنده على تفكير في تغيير عمله أو مدينته، أو على رغبة في مرحلة أكثر هدوءًا واتساعًا. وقد يكون الحلم صدى لخبر عن سفر أو انتقال ما زال في تفكيره. فيقرأ كل رائي الرمز على ضوء ظروفه، دون تهويل ولا جزم.
للتفاصيل الدقيقة أثر في التأويل. فإذا كان الرائي يرى نفسه في ذلك المكان داخل المرآة، فقد يدل ذلك على أنه يتخيل نفسه في حال مختلفة وربما يستعد لها. وإذا كان المكان خاليًا من الناس، فقد يعبر عن حاجة إلى خلوة وهدوء. وإذا كان فيه أشخاص يعرفهم، فقد يرتبط بعلاقات يتمنى قربها. وإذا كانت الإضاءة هادئة ومريحة، فقد يدل على أن التطلع صادق وسليم. وكلها إشارات نفسية خالصة.
من الجانب العملي والنفسي، يمكن للرائي أن يسأل نفسه عما يفتقده في مكانه الحالي وما يرغب فيه فيما رآه: هدوء أم سعة أم تغيير أم صحبة. ثم يبحث عن خطوات صغيرة قريبة تحقق شيئًا من ذلك، كنزهة أو تغيير ترتيب غرفته أو تخصيص وقت للراحة. ومن الجميل أن يرفق بنفسه وألا يبني قراراته الكبيرة على حلم وحده. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإن استمر عدم الرضا الشديد عن الحال أو تكررت الأفكار السلبية عن الذات أو الخوف، فمن المفيد الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
وفي الختام، ما ذُكر كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن فهم الرائي لحاله. ويحسن بمن رأى رؤيا أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا. اللهم اجعل مكان الرائي في الحياة مباركًا واسعًا، ووفقه إلى ما فيه الخير. والغيب لا يعلمه إلا الله، والله أعلم.
