قد يرى النائم أنه ينظر إلى المرآة فتبهت صورته شيئًا فشيئًا حتى تغيب، أو يقف أمامها فلا يرى فيها أحدًا. وهذه رؤيا رمزية في الغالب، وهي تعبير عن حالة الرائي النفسية لا عن أمر يقع في الخارج، ولا أساس لتفسيرها بوجود كائنات أو قوى في المرآة. فالحلم لغة داخلية تصور بها النفس مشاعر مثل الخفاء أو الحيرة أو الانشغال. ولذلك فإن القراءة المذكورة هنا عامة وليست جزمًا بشيء، والرائي أعلم بظروفه. ويحسن أن تؤخذ الرؤيا بهدوء وطمأنينة.
المرآة في الرؤى ترتبط بمراجعة الذات وبالصورة الذاتية وبالصدق مع النفس وبما يعكسه الواقع حول الإنسان. وغياب الصورة منها قد يشير رمزيًا إلى شعور بأن الرائي لا يرى نفسه بوضوح في هذه المرحلة، أو بأن حضوره غير ظاهر بين من حوله. وقد يعبر عن مرحلة انتقال يحتاج فيها إلى إعادة تعريف نفسه بعد تغير دور أو مكان. وقد يرتبط بإرهاق أو انشغال يجعل الإنسان ينسى نفسه وسط مشاغله. وهو في الجملة دعوة هادئة إلى الالتفات إلى الذات وإعادة الاتصال بها.
نُسب إلى ابن سيرين في باب المرآة أنها قد تتصل بالأهل وبمعرفة المرء بحاله، ولا يُعرف عنه كلام مفصل في غياب الصورة عنها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اختفاء الأشياء في المنام قد يدل على انقطاع أو خفاء أمر بحسب القرائن. غير أن الآراء تختلف، ولا يصح الجزم بنسبة هذه المعاني إلى أصحابها كما هي. كما أن هذا الرمز من الصور الأقل شيوعًا، ولذلك فهو أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيبقى التأويل اجتهادًا يقوم على دلالة المرآة ودلالة الغياب.
يتغير المعنى بحسب شعور الرائي وطريقة الغياب. فإن غابت الصورة ببطء والرائي مطمئن، مال التفسير إلى مرحلة تأمل يبتعد فيها عن ضجيج الأيام ليعيد ترتيب نفسه. وإن كان منزعجًا من الغياب، فقد يعكس ذلك شعورًا بأنه غير مرئي أو غير مقدر عند من حوله. وإذا عادت الصورة بعد قليل، فقد يدل ذلك على أن الحيرة عارضة وستنجلي. أما إذا ظلت غائبة، فقد يشير ذلك إلى حاجة إلى وقت أطول للتعرف على نفسه من جديد.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة أن صورتها غابت من المرآة، فقد يدل ذلك على حيرة في تحديد ما تريده، أو على إحساس بأنها لا تُرى كما تحب بين من حولها. وقد يشير إلى مرحلة تحاول فيها أن تفهم هويتها واختياراتها. وإن كانت هادئة، فقد يعبر الأمر عن حاجة إلى خلوة قصيرة مع نفسها. ولا يعني الحلم أن شيئًا سيئًا سيقع، وإنما هو صدى لحالة داخلية. وتبقى هذه المعاني احتمالات يُنظر فيها بحسب حالها.
أما المرأة المتزوجة فقد يعبر الحلم عندها عن شعور بأن أدوارها المتعددة غطت على ذاتها، فلم تعد ترى نفسها وسط مشاغل البيت. وقد يتصل بحاجتها إلى تقدير من المقربين وإلى وقت خاص بها. وأما الرجل فقد يدل غياب الصورة عنده على إحساس بأن عمله أو مسؤولياته تستهلك حضوره، أو على مرحلة يشعر فيها بأنه فقد وضوح هدفه. وقد يكون الحلم صدى لإرهاق أو قلة نوم. فيقرأ كل رائي الرمز على ضوء ظروفه، دون تهويل.
للتفاصيل الدقيقة أثر في التأويل. فإذا ظهر ضوء المكان في المرآة وغابت الصورة وحدها، فقد يدل ذلك على أن الرائي يرى ما حوله بوضوح ولا يرى نفسه. وإذا غاب كل شيء فيها، فقد يعكس ذلك ضبابية عامة في المرحلة. وإذا عادت الصورة تدريجيًا أوضح مما كانت، فقد يشير إلى قرب استعادة الوضوح. ووجود شخص إلى جواره في الحلم قد يرمز إلى سند يعينه على الاستقرار. وكلها إشارات نفسية خالصة.
من الجانب العملي والنفسي، يمكن للرائي أن يخصص وقتًا قصيرًا لنفسه يسأل فيه عما يحبه وعما يحتاجه وعما يريد لمستقبله القريب. ومن المفيد كتابة هذه الأفكار وترتيبها، وطلب مشورة من يثق به. ومن الجميل أن يتعامل مع نفسه برفق، فالضبابية في بعض المراحل أمر يمر به كثيرون. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية متخصصة. فإن استمر عدم الرضا الشديد عن الشكل أو تكررت الأفكار السلبية عن الذات أو الخوف، فمن المفيد الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
وفي الختام، ما ذُكر كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن فهم الرائي لحاله. ويحسن بمن رأى رؤيا أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا. اللهم اجعل بصيرة الرائي واضحة وأمره مستقيمًا، واجعل أيامه القادمة أكثر نورًا وطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله، والله أعلم.
