قد يرى النائم أنه يتكلم مع صورته في المرآة، فيسألها أو يخبرها بما في نفسه، وقد يشعر بأنها تصغي إليه أو ترد عليه. وهذه رؤيا رمزية في الغالب، وليست دليلًا على شيء خارج نفس الرائي، ولا أساس لتفسيرها بوجود كائنات في المرآة. فهي أقرب إلى حوار داخلي يعبر عن حاجة الإنسان إلى التفكير بصوت مسموع وفهم ما يمر به. ولذلك فإن القراءة المذكورة هنا عامة وليست جزمًا، والرائي أعلم بظروفه. ويحسن أخذ الرؤيا بطمأنينة.
المرآة في الرؤى ترتبط بمراجعة الذات وبالصورة الذاتية وبالصدق مع النفس وبما يعكسه الواقع حول الإنسان. أما التكلم مع الصورة فيدل في الغالب على حوار داخلي، يجمع فيه الرائي بين صوته الذي يتكلم وصوته الذي يصغي. وقد يعبر ذلك عن رغبة في النصح الذاتي أو عن حاجة إلى أن يسمع نفسه بوضوح قبل أن يتخذ قرارًا. وإذا بدا في الحلم أن الصورة ترد، فهذا رمز لما في داخل الرائي من أفكار وإجابات يعرفها لكنه لم يصرح بها. وهو في الجملة رمز للصدق مع النفس والتأمل.
نُسب إلى ابن سيرين في باب المرآة أنها قد تتصل بالأهل وبمعرفة المرء بحاله، ولا يُعرف عنه كلام مفصل في الكلام مع الصورة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الكلام في المنام قد يدل على ما في نفس صاحبه من هم أو رجاء بحسب مضمونه. غير أن الآراء تختلف، ولا يصح الجزم بنسبة هذه المعاني إلى أصحابها كما هي. كما أن هذا الرمز من الصور الأقل شيوعًا، ولذلك فهو أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيبقى التأويل اجتهادًا يقوم على دلالة المرآة ودلالة الكلام الذاتي.
يتغير المعنى بحسب نبرة الحوار وشعور الرائي. فإن كان يتكلم بلطف وتفهم، مال التفسير إلى أنه يتعامل مع نفسه برفق وأنه في مرحلة تصالح معها. وإن كان يعاتب صورته أو يتكلم بحدة، فقد يعكس ذلك قسوة على النفس أو غضبًا من موقف مر به. وإذا كان يبوح لها بسر أو بحزن، فقد يدل ذلك على حاجته إلى مساحة آمنة يعبر فيها عما في قلبه. أما إذا كانت الصورة صامتة تصغي، فقد يرمز إلى حاجته لأن يستمع إلى نفسه أكثر.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة أنها تكلم صورتها في المرآة، فقد يدل ذلك على رغبتها في أن تفهم نفسها وما تريده من هذه المرحلة. وقد يشير إلى تفكير في قرار يتعلق بدراسة أو عمل أو علاقة. وإن كانت تشجع صورتها، فقد يعبر ذلك عن ثقة تنمو في داخلها. وإن كانت تلومها، فقد يكون ذلك دعوة إلى الرفق بنفسها. ويبقى المعنى احتمالًا يُنظر فيه بحسب حالها وما تشعر به بعد الاستيقاظ.
أما المرأة المتزوجة فقد يعبر الحلم عندها عن حاجة إلى حوار صادق مع نفسها وسط مشاغل البيت، أو عن رغبة في أن يسمع أحد صوتها. وقد يتصل بما تكتمه من مشاعر لا تجد وقتًا للتعبير عنها. وأما الرجل فقد يدل الكلام مع الصورة عنده على تفكير مطول في قرار أو مسؤولية، أو على حاجة إلى مراجعة موقفه. وقد يكون الحلم صدى لاعتياده التفكير بصوت مرتفع في يومه. فكل رائي يقرأ الرمز على ضوء ظروفه.
للتفاصيل الدقيقة أثر في التأويل. فالتكلم همسًا قد يدل على سر أو خصوصية في الأمر، والتكلم بصوت عالٍ على رغبة في الحسم. وإذا بدت الصورة مبتسمة أو مطمئنة، فقد يعكس ذلك رضا نسبيًا بما يقوله الرائي. وإذا كان الحوار طويلًا متشعبًا، فقد يدل على كثرة الأفكار التي تحتاج إلى ترتيب. ووضوح المرآة أثناء الكلام يعبر عن وضوح الفكرة، وغيامها عن حاجة إلى مزيد من التأمل. وكذلك فإن هدوء المكان الذي يقف فيه الرائي قد يدل على فسحة نفسية يحتاجها ليسمع نفسه جيدًا.
من الجانب العملي والنفسي، يمكن للرائي أن يجعل الحوار مع النفس عادة لطيفة: كتابة الأفكار في دفتر، أو التكلم مع نفسه بعبارات مشجعة، أو سؤالها عما تحتاجه فعلًا. ومن الجميل أن يخاطب نفسه كما يخاطب صديقًا عزيزًا، برفق وتقدير. ويمكنه أن يراجع أهدافه القريبة في ضوء ما يخرج به من هذا الحوار. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإن استمر عدم الرضا الشديد عن الشكل أو تكررت الأفكار السلبية عن الذات أو الخوف، فمن المفيد الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
وفي الختام، ما ذُكر كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن فهم الرائي لحاله. ويحسن بمن رأى رؤيا أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا. اللهم اجعل حوار الرائي مع نفسه سكينة وهداية، واجعل ما يعتمل في صدره إلى خير. والغيب لا يعلمه إلا الله، والله أعلم.
