تسأل بعض النساء المطلقات عن معنى رؤية قرد في المنام، سواء كان يلعب بقربهن أو يقفز في بيتهن أو يراقبهن من بعيد. وقد تمر المرأة بعد الطلاق بمشاعر متباينة من حزن وارتياح وقلق وأمل، وتنعكس هذه المشاعر في أحلامها بصور كثيرة. والتفسير الذي نعرضه رمزي لا حرفي، فهو لا يتضمن خبراً عن زواج أو عودة أو حدث بعينه ولا يتنبأ بشيء، وإنما هو قراءة ظنية لطيفة لصورة قد تعبّر عن مرحلة تمر بها المرأة، وفيها كثير من الأمل.
القرد في كلام المعبّرين رمز للمرح والحركة والفضول والتقليد وخفة الظل. وحين تراه المطلقة فقد يقرؤه بعضهم على أنه إشارة إلى حاجتها إلى الخفة والانطلاق بعد مرحلة ثقيلة، أو إلى أجواء اجتماعية جديدة تدخلها، أو إلى كلام الناس وأسئلتهم الكثيرة التي قد ترهقها. وقد يعبّر أيضاً عن بداية استعادة المرح في حياتها شيئاً فشيئاً. فهو في الغالب صورة لا تنذر بسوء، بل قد تحمل في طياتها معنى التعافي.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن الحيوان المرح في منام المرأة قد يدل على صحبة خفيفة أو كلام حولها بحسب حاله، وأن ما يلاعبها قد يدل على من يؤنسها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يدخل بيت المرأة في الرؤيا قد يشير إلى من يدخل حياتها أو يتصل بها بحسب صفته. واختلف المفسرون في هذه الأمور اختلافاً واسعاً، ولا يُجزم بشيء منها، وهي متعلقة بالصفات والمواقف لا بجماعة من الناس، ولا يصح أن تُتخذ حكماً على أحد.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان القرد صغيراً لطيفاً يلعب في أجواء هادئة فالأمر أقرب إلى مرح بدأ يعود إلى حياتها، وإن كان مزعجاً يبعثر ما حولها فقد يعبّر عن ضغط من أسئلة الناس أو من أمور تحتاج إلى ترتيب. وإن كان القرد يبتعد عنها فقد يدل على زوال ما كان يزعجها، وإن اقترب وداعبها فقد يدل على أنس. وهل كانت في بيتها أم في مكان غريب، وهل كان معها أطفال، فهذه تلوّن المعنى. وقبل ذلك كله شعورها هي، فالقراءة تتجه نحو ما تحسه.
ومن الأوجه التي يذكرها بعضهم أن الصورة قد تشير إلى كلام الناس بعد الطلاق، فكثيرون يسألون ويعلقون ويقدمون نصائح بلا قصد الأذى. وفي هذه الحال قد يكون القرد الذي يردد ويقلد رمزاً لهذه الأصوات. وتستطيع المرأة أن تتعامل معها بحكمة ولباقة، فتجيب بما يلزم وتسكت عما لا يلزم، وتتذكر أن قيمتها لا يحددها كلام الناس. فكل إنسان يمر بمراحل، والطلاق ليس نهاية الطريق بل قد يكون بداية لطريق أصفى.
ومن الأوجه الأخرى أن تكون الصورة دعوة لطيفة إلى استعادة المرح بعد مرحلة جد وألم. فالنفس التي مرت بتجربة صعبة تحتاج إلى أن تضحك من جديد وتمارس هواياتها وتلتقي بصحبة طيبة. والقرد في هذا المعنى رمز لروح تريد أن تعود إلى اللعب. ولا حرج في ذلك ولا عيب، بل هو من علامات التعافي. والأفضل أن تحيط نفسها بمن يدعمها ويخفف عنها، وأن تبتعد عمن يثقل قلبها بالكلام الجارح.
ومن التفاصيل الدقيقة ما إذا كان القرد يلتصق بها أو يتركها حرة، فالالتصاق قد يعبّر عن أمر يتعلق بها ويحتاج إلى تدبر، والحرية عن شعور بالانطلاق. وهل أطعمته أم أبعدته، وهل ضحكت أم انزعجت، وهل كان بصحبتها أحد من أهلها. وهل رأت معه رجلاً أو غريباً، فعليها ألا تبني على ذلك ظناً ولا قراراً، فهو من تداخل الصور. وكلها قراءات لا تتجاوز حدود الخيال.
وللحلم جانب نفسي مواسٍ، فهو يذكّرها بأن لها كل الحق في المرح والراحة وفي أن تبدأ صفحة جديدة بوتيرتها الخاصة. وأن الشفاء يحتاج إلى وقت، وأن عليها أن ترفق بنفسها ولا تستعجل. ويمكنها أن تخصص كل يوم لحظات صغيرة تفعل فيها ما تحب، وأن تعتني بصحتها وعبادتها وأهلها. وإن شعرت بحزن ثقيل فلا بأس أن تتحدث مع من تثق به أو مع مختص، فالاستعانة بالناس خير ولا ضعف فيها.
وليس للأحلام أن تقرر شيئاً في شأن عودة أو زواج أو علاقة، وليس من الحكمة أن تُبنى على منام قرارات مصيرية. فالقرارات الكبيرة تُتخذ بالاستشارة والاستخارة والتأني. وإذا جاءتها صورة مفرحة فلتشكر الله، وإذا جاءتها صورة مقلقة فلتستعذ بالله ولا تحدّث بها أحداً، ثم تمضي في طريقها بثبات. وإن الله قريب من عباده يجبر القلوب ويفرّج الهموم.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في شأن زواج أو علاقة أو سكن أو مال. والأولى بمن رأت الحلم أن تدعو الله وتحسن الظن به، وتسأله الخير والتيسير وانشراح الصدر. فعلم الغيب عند الله وحده، وما تعرضه الأحلام من صور لا يغيّر ما قُدّر، وإنما هو رموز قد تحمل تأملاً لطيفاً وقد تكون من حديث النفس.
