يحدث أن يرى الإنسان في منامه أنه يحتضن قرداً ويضمه إلى صدره بحنان أو بدافع الخوف أو بدافع الدهشة. وهذا الفعل بحد ذاته أبعد عن المصادفة من مجرد وجود قرد قريب، لأن الاحتضان فعل يصدر من الحالم نفسه، فكأن الصورة تتحدث عن موقفه من الرمز لا عن الرمز وحده. ولهذا يختلف تأويله عن تأويل مجيء القرد إلى الإنسان. وهو، كغيره، رمزي لا حرفي، وليس فيه خبر عن حادثة بعينها.
حين نتأمل ما يمثله القرد عند من تناولوه، نجد أنه ارتبط بالمرح والمحاكاة والحيلة الصغيرة والفضول وعدم الاستقرار. فإذا احتضنه الحالم فكأنه يقترب من هذه الصفات ويتقبلها أو يتبناها، أو يتعامل مع شخص أو أمر يحمل شيئاً منها. وقد يعني الاحتضان قبولاً بعد نفور، كمن اعتاد أن يتضايق من المزاح الكثير فإذا به يتعلم أن يتقبل الخفة والدعابة. وقد يعني أيضاً التعلق بشيء لا يستحق هذا التعلق، فالتفسير يتبع شعور الحالم أثناء الاحتضان وبعده.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن ضمّ الإنسان لشيء في الحلم يدل على القرب منه والتعلق به أو تحمل أمره، وأن ما يُضم إلى الصدر يدل على قرابة في المعنى أو مودة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مصاحبة الحيوان في الرؤيا ومعانقته تدل على ألفة صاحبه بما يمثله ذلك الحيوان من صفات. وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافاً كثيراً، وهذه الأقوال إنما تتعلق بالسلوك والصفات، ولا يصح أن تُسقط على جماعة من الناس أو تُستعمل لانتقاص أحد.
أما أثر السياق في تغيير المعنى، فاحتضان قرد صغير وديع يدل في العموم على ألفة ولطف وقبول، واحتضان قرد كبير يدل على تحمّل أمر أثقل. وإذا احتضنه الحالم وهو يضحك فقد يفيد ذلك الخفة وحب الدعابة، وإذا احتضنه وهو خائف فقد يعبّر عن مواجهة للخوف بالقرب منه بدلاً من الهرب. وإذا كان القرد يقاوم ويحاول الإفلات فقد يشير إلى أمر لا يرضى بالقرب، وإذا استسلم واطمأن فقد يشير إلى علاقة تسير بسلاسة. ولون القرد وهيئته ومكان الاحتضان من التفاصيل التي يضيفها المعبّرون.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعني الحلم عند بعضهم ميلاً إلى الحنان والاحتضان، أو تقبلاً لشخص مرح في حياتها، أو انشغالاً بأمور خفيفة تعتبرها مصدر أنس. وقد يدعوها إلى أن تتأمل ما تمنحه قلبها وتختار بحكمة. وإن كانت سعيدة بالمشهد فقد يقرأ ذلك على أنه تفاؤل، وإن شعرت بالتردد فربما كان ذلك إشارة إلى أنها تحتاج إلى مزيد من الاطمئنان قبل أن تقترب من أحد. وكل ذلك لا يتجاوز الاجتهاد.
وللمرأة المتزوجة قد يُفهم الاحتضان على أنه تعبير عن رغبتها في الحنان والبهجة داخل بيتها، أو انشغالها بأمر طريف يخص أطفالها، أو تقبلها لطباع مرحة في أحد أفراد أسرتها. وللرجل قد يدل على تقبله لشخص مرح أو أمر خفيف في حياته، وقد يشير إلى رغبته في الراحة من ضغط الجد. وللتاجر قد يوحي بمعاملة لينة مع زبائن أو شركاء يتصفون بخفة المزاج، دون أن يعني ذلك مكسباً أو خسارة.
ومن الدقائق التي تُصقل بها القراءة ملاحظة ما إذا كان القرد يبادل الحالم الاحتضان، فإن بادله فهو إشارة إلى تفاعل متبادل، وإن بقي جامداً فقد يشير إلى طرف واحد في العلاقة. وكذلك هل اقتصر الاحتضان على لحظة سريعة أم طال، فاللحظة السريعة قد تشير إلى اهتمام عابر والطويلة إلى انشغال أعمق. وهل كان الحالم يحتضنه أمام الناس أم في خلوة، فالأول يشير إلى أمر ظاهر والثاني إلى شعور داخلي.
وللحلم جانب نفسي لطيف، فقد يشير إلى مصالحة مع الجانب المرح فينا، ذاك الذي كبتناه بحجة الجدية، أو إلى حاجة إلى الاحتضان العاطفي في حياة مزدحمة. وقد يكون دعوة إلى أن نتقبل الجوانب غير الكاملة من أنفسنا وأن نبتسم لها. كما ينبغي أن نحذر من أن نتشبث بما يشغلنا عن مقصدنا، فنفرّق بين المرح الذي يريح القلب والتلهي الذي يضيع الوقت. والأصالة أن نكون أنفسنا لا نسخة عن غيرنا.
ولا يخفى أن الأحلام تتلون بحال صاحبها حين ينام، فالمتعب غير المرتاح، والمهموم غير المطمئن، ومن نام على شبع وسكينة غير من نام على قلق. ولذلك فإن اختلاف مشاعر الحالم عند الاحتضان قد يغيّر المعنى أكثر مما يغيّره اختلاف تفاصيل الحيوان نفسه. وحين يستيقظ الإنسان مبتسماً من مثل هذا المشهد فليحمد الله على ما فيه من لطف، وحين يستيقظ منزعجاً فلا يحمّل الصورة فوق ما تحتمل ولا يفتح باب الوساوس، فإن الوساوس تضر ولا تنفع.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يكون بحال أساساً لقرار في زواج أو تجارة أو علاقة أو علاج. والأولى لمن رأى الحلم أن يدعو الله ويحسن الظن به، وأن يمضي في أسبابه الظاهرة. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والأحلام لا تحكم على الإنسان ولا ترسم مصيره، وكل ما فيها صور قد تحمل رمزاً وقد تكون من حديث النفس.
