يحدث أن يرى الإنسان أنه يهدي قرداً صغيراً إلى صديق أو قريب، فيقدمه له في علبة أو بيده، ويتابع ردة فعله. وهذا المشهد يجمع بين العطاء والمجاملة والرمز المرح، وهو في الغالب أخف من مشاهد الخوف والمطاردة. والتأويل هنا رمزي لا حرفي، وهو لا يعني أن الحالم سيقدّم هدية حقيقية ولا أن حدثاً بعينه سيقع، وإنما هو قراءة لصورة نفسية قد تتصل بعلاقاته وبما يمنحه للناس.
الإهداء في الأحلام يرمز عند كثير من المفسرين إلى المودة وتقوية الصلة وإظهار التقدير. والقرد رمز للمرح والتقليد والحيلة الصغيرة والفضول. فإذا اجتمعا فقد يعني ذلك أن الحالم يشارك غيره جانباً من مرحه أو يمنحه صحبة خفيفة، أو يعبّر عن محبته بطريقة مرحة. وقد يعني أيضاً أنه ينقل انشغالاً أو عبئاً صغيراً إلى غيره، فيكون في الهدية معنى مزدوج بحسب شعور الحالم ووجه المهدى إليه.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن الهدية في المنام تدل على المودة وتأليف القلوب، وأن من يقدمها يريد التقرب أو إدخال السرور. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن إهداء الحيوان قد يدل على تقديم معونة أو صحبة لغيره. واختلف المفسرون اختلافاً واضحاً في هذه المسائل، ولم يتفقوا على قول فصل، وما ذُكر هنا يتعلق بسلوك الإنسان وصفات الأمور، ولا علاقة له بتقييم جماعات الناس ولا بالإساءة إلى أحد.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان المهدى إليه سعيداً بالقرد فذلك يدل على قبول ومودة، وإن كان منزعجاً أو مرتبكاً فقد يشير إلى أن العطاء لم يُحسن اختياره أو أن للمهدى إليه تحفظاً. وإن كانت الهدية في مناسبة مفرحة فالأمر أخف وأقرب إلى المجاملة، وإن كانت بلا مناسبة فربما تحمل معنى غير معلن. ولا يغفل المعبّر عن حال القرد نفسه، أهو نظيف جميل أم متعب، وعن شعور الحالم وقت الإهداء، أكان متحمساً أم متردداً.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعني الحلم عند بعضهم رغبة في إدخال السرور على من تحب، أو إظهار مودة لصديقة أو قريب، وقد يعبّر عن تواصل اجتماعي لطيف. وإن كان المهدى إليه شخصاً تميل إليه فقد يعبّر عن رغبتها في لفت نظره بمرح، وليس في ذلك حكم على أحد. وإن شعرت بالحرج فربما تدعوها الصورة إلى التعبير عن مشاعرها بوضوح ولباقة.
وللمرأة المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه تعبير عن حرصها على تألف القلوب في محيط الأسرة، أو عن رغبتها في مشاركة أهلها أو أبنائها لحظة مرح. وللرجل قد يشير إلى مجاملة لزميل أو قريب، أو إلى مشاركة وقت طريف مع أصدقائه. وللتاجر قد يقرأ بعضهم الصورة على أنها هدايا ترويجية أو مجاملة عملاء، وهي مجاملة محمودة في الأصل إذا خلت من المبالغة. وكل هذا من الظن الذي يتغير بتغير الأحوال.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها المعبّرون هل أهدى الحالم القرد وهو يبتسم أم وهو يشعر بالتخلص منه، ففي الأول مودة وفي الثاني رغبة في التخفف. وهل أرسل الهدية مع غيره أم سلّمها بنفسه، فالمباشرة تعبّر عن قرب. وهل اشتراها خصيصاً أم كانت مما يملك، فاختيار الهدية يعكس عناية الحالم. وهل ردّ المهدى إليه بهدية أخرى، فهذا قد يشير إلى تبادل مودة. وهذه كلها تصورات تقريبية.
ولا يفوتنا أن نذكر أن الأحلام قد تتأثر بما يمر به الإنسان في نهاره، فمن كان يفكر في اختيار هدية لمناسبة قد يرى هذا المشهد صدى لذلك. وهنا لا حاجة إلى تأويل عميق، فإن الحلم قد يكون مجرد انعكاس لانشغال بسيط. وإذا كان ثمة مناسبة قريبة فالأجدر أن يختار الإنسان هديته بحسب ذوق من يهديه ظروفه، لا بحسب ما رآه في المنام.
وللجانب النفسي العملي فائدة، فالحلم قد يذكّرنا بأن الهدية الصغيرة المرحة قد تفتح قلوباً وتبدد جفاء. وأن العطاء الأجمل ما كان بلا تكلف ولا انتظار مقابل، وأن مراعاة ذوق المهدى إليه أهم من غرابة الهدية. كما أننا نتعلم من هذا المشهد أن الأصالة في العطاء أن نمنح ما يشبهنا لا أن نقلد ما يمنحه غيرنا. ومن حافظ على روح الدعابة وحسن النية كانت هديته أخف على القلب.
وخلاصة القول إن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في علاقة أو مال أو التزام. والأولى لمن رأى الحلم أن يدعو الله ويحسن الظن به، وأن يتودد إلى الناس بالمعروف الواضح لا بالرموز. فعلم الغيب عند الله وحده، والأحلام لا تقرر ما يكون بين الناس، وإنما هي صور قد تحمل إشارة وقد تكون من حديث النفس.
