من أطرف ما يمر في الأحلام أن يرى الإنسان قرداً يصحبه في طريقه، يسير بجانبه أو يجلس إلى جواره أو يرافقه في سفره، كأنه صديق قديم. وقد يشعر الرائي في هذا المشهد بالألفة والمرح، وقد يشعر ببعض الحرج أو الدهشة. وهذا الحلم يختلف عن حلم القرد الذي يتبع الرائي، فالصحبة هنا أقرب إلى المرافقة المتبادلة، لا إلى المتابعة من الخلف. والتفسير فيه رمزي لا حرفي، ويصح أن نتناوله بهدوء من غير جزم بشيء.
وفي المعنى العام للقرد أنه رمز للمرح والعبث وخفة الحركة وحب الصحبة والتقليد. فإذا صحب الرائي في الحلم فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة لرفقة خفيفة الظل في حياته، أو لانشغال دائم يلازمه كظله. وقد يعبر أيضاً عن حاجة إلى أنيس يخفف الوحدة، فالنفس كثيراً ما تصنع لنفسها رفيقاً في الأحلام حين تفتقده في اليقظة. وقد يكون المعنى متصلاً بعادة أو فكرة مرحة تلازم الرائي في أيامه.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على صاحب خفة وعبث وقلة جدية، وأن مصاحبته في المنام قد تُحمل عند بعضهم على مجالسة من هذا الطبع. وذهب بعض المفسرين إلى أن الحيوان الذي يألف الإنسان في المنام قد يدل على أنس ومعرفة. واختلف أهل التفسير اختلافاً كبيراً في ذلك، ولا يُجزم بقول منهم. وهي قراءات في الأخلاق والأحوال العامة، فلا يجوز أن تُسقط على شخص أو فئة، ولا يُتهم بها أحد من الأصدقاء أو الأقارب.
ويتغير المعنى بحسب مكان الصحبة وهيئتها. فإن كان القرد يمشي بجانب الرائي في طريق هادئ فهي صحبة مستقرة. وإن كان يقفز عليه ويتسلق كتفه فهي أقرب إلى حيوية زائدة تحتاج إلى ضبط. وإن كان يجلس معه في مجلس فهي صحبة مرح وسمر. وإن كان في سفر فقد يعبر عن رفقة في مرحلة انتقالية. كما أن شعور الرائي هو المعيار الأهم، فمن ارتاح للصحبة فالمعنى ألطف، ومن ضاق بها فالمعنى أقرب إلى انشغال يرهقه.
وفي حال المرأة غير المتزوجة قد يُحمل الحلم على رفقة صديقات مرحات أو على رغبة في الأنس. والمتزوجة قد تعبر الرؤية عندها عن ازدحام البيت بالأطفال الذين يرافقونها حيثما ذهبت. والحامل قد تعبر عن شعورها بأن ثمة من يلازمها دائماً، وهذا يتناسب مع حالها. والرجل قد يرى فيها صورة لزميل مرح أو لعادة يومية تصحبه. وكل ذلك احتمالات قريبة لا تُجزم.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي في كلام القرد أو حركاته: هل يقلده في مشيته، أم يمسك يده، أم يتقدمه ويلتفت إليه. فإن قلده فهو أقرب إلى معنى التأثر بمن يصاحب. وإن أمسك يده فهو أقرب إلى معنى الألفة. وإن تقدمه فقد يدل على قيادة المرح لزمام الموقف. ومن الدقائق كذلك أن يتذكر الرائي هل أراد الاستمرار معه أم أراد التخلص منه، فإن إرادته تكشف موقفه من تلك الرفقة في الواقع.
وفي الجانب العملي قد يدعو الحلم إلى النظر في نوعية الصحبة التي يختارها الإنسان، فالصاحب ساحب كما يقول الناس، والإنسان يتأثر بمن يجالسه. فيحسن أن يجمع بين صحبة المرح وصحبة الجد، ليكتسب من الأولى انشراح الصدر ومن الثانية الاتزان. وإن كان في صحبته من يشغله عن واجباته فليعدّل بلطف دون قطيعة. وهذه كلها نصائح عامة لا تتوقف على الحلم.
ومن الجانب النفسي فإن أحلام الصحبة تظهر كثيراً عند من يمر بفترة انتقالية يفتقد فيها الأنس المعتاد. فيكون القرد صورة لذلك الأنيس المرح الذي يتمناه العقل. ولا بأس في ذلك، فهي حاجة إنسانية مشروعة، يمكن تلبيتها بالتواصل مع الأهل والأصدقاء وبالمشاركة في أنشطة طيبة. وإن شعر الرائي بوحدة ثقيلة فليتحدث مع من يثق به ولا يكتمها في صدره.
ويحسن أن يتذكر الرائي أن أفضل صحبة هي ما أعانت على ذكر الله وحسن الخلق، وأن المرح مطلوب ما لم يطغَ على الجد. ومن جمع بين الأمرين نال راحة النفس وسلامة الدين والدنيا. وهذه حكمة معروفة تعين على النظر إلى هذا الحلم بخفة، دون أن يتحول إلى عبء أو مجال للقلق.
ومما يضاف أن مرافقة القرد قد تتخذ في الحلم أشكالاً مختلفة بحسب ما يحبه الرائي ويخشاه. فمن كان يحب الحيوانات رأى القرد رفيقاً لطيفاً، ومن كان يتوجس منها رآه مصدر قلق. وهذا يدل على أن الحلم يتلون بتجارب الإنسان ومشاعره السابقة. ولذلك فإن النظر إلى سيرة الرائي وما يميل إليه وما يتجنبه أنفع في فهم الحلم من البحث في الكتب عن حكم جامد.
ومن المفيد كذلك أن يُنظر في وقت الحلم من اليوم، فالرؤى التي تأتي في آخر الليل أقرب إلى ما يشغل الإنسان في يقظته القريبة. ومن أحسن الأدب أن يستيقظ الرائي ويشكر الله على نعمة النوم والعافية، ثم يمضي إلى يومه دون أن يتعلق قلبه بما رآه. فإن كانت فيه عبرة نافعة أخذها، وإن لم تكن تركها، وفي الحالين لا ضرر عليه ما دام حسن الظن بربه.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لتغيير علاقة أو اتخاذ قرار حقيقي. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله الصحبة الصالحة. وما سيكون من أمر الغد فمن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
