من المشاهد التي قد تمر في الأحلام أن يرى الإنسان قرداً يقلد حركات الآخرين تقليداً أعمى، يكرر ما يفعله من أمامه دون أن يفهم السبب، حتى لو كان الفعل غريباً أو بلا معنى. وهذه الصورة قريبة جداً من التعبير الشائع الذي يشبّه المقلّد بلا وعي بالقرد. ولذلك فإن ظهورها في المنام يبدو منطقياً بعد أن علق هذا التشبيه في الأذهان. والتفسير رمزي لا حرفي، وهو يخص السلوك لا الأشخاص.
والمعنى العام للقرد في الرموز يتصل بالتقليد وسرعة الحركة والعبث. فإذا اختص المشهد بالتقليد الأعمى فقد يُقرأ على أنه تنبيه لطيف إلى أن يراجع الرائي مدى أصالته في قراراته. وقد يعبر عن شعوره بأنه ينجرف مع التيار في أمر ما دون قناعة داخلية، أو عن ملاحظته أن ثمة من حوله ينساقون دون تفكير. وهذه صورة مفيدة للتأمل لأنها تتحدث عن عادة بشرية معروفة، نمارسها جميعاً بدرجات متفاوتة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على صاحب تقليد وخفة وقلة جدية، وأن ما يتعلق بذلك يُحمل على محاكاة لا تدوم. وذهب بعض المفسرين إلى أن المحاكاة في المنام قد تدل على التأثر بالبيئة المحيطة. واختلف أهل التفسير اختلافاً ظاهراً في هذه الأمور، ولا نجزم بشيء. وهذه القراءات كلها تخص الأخلاق والعادات، ولا يجوز أن تُسقط على شخص بعينه أو فئة من الناس، فكلنا نقلد أحياناً.
ويتغير المعنى بحسب من يقلده القرد وما يقلده. فإن كان يقلد الرائي نفسه، فقد يدل على أن الرائي يرى في نفسه أثراً على غيره، أو يرى عاداته مكررة. وإن كان يقلد شخصاً مجهولاً في الحلم فهو أقرب إلى صورة التقليد العامة. وإن كان تقليداً لحركات حسنة كالصلاة أو المساعدة، فالمعنى أقرب إلى اقتداء حسن لا يُذم. وإن كان تقليداً لعادات مؤذية فهو أقرب إلى تحذير. وللمكان أثر، فالحلقة الجماعية غير المنفرد.
وفي حال المرأة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بالتأثر بما تراه من موضات أو أنماط حياة تُعرض عليها، فتتأمل مدى ملاءمتها لها. والمتزوجة قد يتصل عندها بتقليد الأطفال لما يرونه منها ومن زوجها. والحامل قد يتصل عندها بالتفكير في القدوة التي سيراها طفلها. والرجل قد يتصل عنده بمجاراة الأصدقاء في الإنفاق أو العادات. وكلها احتمالات قريبة تُترك لتقدير صاحبها.
ومن الدقائق أن يلاحظ الرائي ما يشعر به تجاه هذا التقليد. فإن ضحك فقد يكون خفيف الظل يتقبل طبيعة البشر. وإن ضاق فقد يكون حريصاً على الأصالة. وإن حاول أن يوقف القرد فقد يكون ميله إلى الإصلاح. وإن انضم إلى تقليده فقد يدل على أنه ينساق أحياناً مع الآخرين. وليسأل نفسه بصدق: أين أقلد ولا أدري، وأين أتأثر بما يضرني.
ومن الناحية العملية يفيد هذا الحلم في أن يتعلم الإنسان التمييز بين التقليد النافع والضار. فالتقليد في تعلم الحرف والعلوم والأخلاق الحسنة طريق قديم للتعلم، أما التقليد في الأمور التي لا يعرف الإنسان سببها ولا نفعها فهو الذي يُذم. ويحسن أن يسأل قبل أن يفعل: لماذا أفعل هذا، وهل ينفعني. وأن يستشير أهل العلم والتجربة فيما يجهله، فهذا أسلم من الانسياق.
ومن الجانب النفسي فإن الحاجة إلى الانتماء تدفعنا إلى المحاكاة، وهي حاجة مشروعة لا ينبغي أن نخجل منها. غير أن الأصالة تنمو حين نعرف قيمنا ونحترم اختلافنا. ومن عرف ما يحبه وما يؤمن به، لم يخف من أن يكون مختلفاً بأدب. وهذا التوازن بين الانتماء والاستقلال هو من أبرز ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من أحلام كهذه.
ولا ينبغي أن يتحول الأمر إلى جلد للذات أو لوم مبالغ فيه، فالحلم مجرد صورة هادئة تذكّر ولا تحاسب. وإذا استفاد منه الرائي فوجّه بعض اهتمامه إلى بناء شخصية مستقلة، فقد حصل على فائدة طيبة. وإن لم يجد فيه ما يناسبه فليتركه. ومن اللطف أن يضحك الإنسان من نفسه حين يكتشف أنه قلد دون وعي.
ومما يجدر ذكره أن التقليد ظاهرة اجتماعية قديمة، فالناس يتشابهون في الملبس والعبارات والعادات بحكم المخالطة. وهذا في الأصل ليس عيباً، إنما العيب حين يغيب العقل عن الاختيار. ولذلك فإن الحلم يمكن أن يُقرأ دعوةً لإحضار الوعي في ما نتبناه من أنماط وأفكار. فمن أخذ ما يناسبه وترك ما لا يناسبه كان تقليده تعلماً لا انسياقاً.
ولعل من أجمل ما يُفعل في هذا الباب أن يتأمل الإنسان مبادئه الثابتة، فيجعلها ميزاناً يزن به ما يعرض عليه من الأنماط والعادات. فإن وافقتها قبل، وإن خالفتها ترك بلطف دون صدام ولا تعالٍ. وهذا يمنحه ثباتاً داخلياً يقيه من الاضطراب أمام كل جديد، ويجعله قادراً على الاستفادة من تجارب غيره دون أن يذوب فيهم. وبهذا يكون الحلم قد أدى غرضه اللطيف.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار أو لحكم على أحد. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله البصيرة في أمره. وأما ما يحمله المستقبل فمن الغيب الذي اختص الله بعلمه.
