قد يرى الإنسان في منامه قرداً يعبث عبثاً عاماً، يقفز هنا ويلعب هناك ويحرك ما يصادفه دون هدف واضح، فيشاهده مبتسماً أو متعجباً. وهذه الرؤية من أكثر ما يرتبط بالقرد في الأذهان، فهو الحيوان الذي يُضرب به المثل في العبث والحركة بلا غاية. ومن ثَمّ فإن ظهوره في الحلم بهذه الصفة لا يستغرب. والتفسير رمزي لا حرفي، يتناول معنى العبث وما يتصل به من لهو وانشغال، دون قطع بشيء.
وللقرد في الرموز معانٍ عامة ذكرها من تكلموا في هذا الباب، منها العبث وخفة الحركة والتقليد وقلة الجدية. فإذا كان العبث هو المحور فقد يُقرأ على أنه صورة لوقت يضيع فيما لا طائل منه، أو لنفس تحتاج إلى لهو بريء بعد جد طويل. وبين المعنيين فرق كبير، والرائي أدرى بحاله، فقد يكون في حاجة إلى الترفيه وقد يكون في حاجة إلى مزيد من الانضباط. والحلم نفسه لا يفصل بينهما.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على صاحب عبث وخفة وقلة جدية، وأن ما يتصل به يُحمل على لهو أو أمر قليل النفع. وذهب بعض المفسرين إلى أن اللعب في المنام قد يُحمل على فراغ أو غفلة بحسب حال الرائي. واختلف المفسرون في ذلك اختلافاً واضحاً، فلا يصح الجزم. وهذه القراءات متصلة بالسلوك والأحوال لا بأشخاص، ولا يجوز أن تُسقط على أحد من الناس، فالعبث صفة تعرض لكل إنسان في وقت ما.
ويتغير المعنى بتغير شكل العبث. فإن كان القرد يعبث بنفسه ويلهو دون أن يؤذي أحداً فهو أقرب إلى مرح بريء. وإن كان يعبث بما حوله ويتلف فهو أقرب إلى فوضى مزعجة. وإن كان يعبث بحركات متكررة كأنه يضيع الوقت فقد يُشير إلى رتابة. وإن كان يجذب الرائي ليشاركه فقد يدل على إغراء اللهو. وإن اكتفى الرائي بالمشاهدة فهو أقرب إلى تأمل هادئ في طبيعة العبث. وللمكان والإضاءة أثر في الجو العام.
وفي حال المرأة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بحاجتها إلى فسحة من المرح وسط مشاغل الحياة. والمتزوجة قد يتصل عندها بشقاوة الأطفال وما تحتاجه من صبر وروح دعابة. والحامل قد يتصل عندها بخفة نفس مؤقتة أو بتمني الراحة. والرجل قد يتصل عنده بالموازنة بين العمل واللهو. والطالب قد يتصل عنده بإغراء التسلية على حساب الدراسة. وكلها قراءات تقريبية.
ومن الدقائق أن يلتفت الرائي إلى ما فعله حين رأى العبث: هل شارك أم ابتعد أم نبه. فإن شارك فقد يدل ذلك على ميله إلى اللهو. وإن ابتعد فقد يدل على حرصه على الجد. وإن نبه القرد فقد يدل على ميل إلى الإصلاح. ومن الدقائق أيضاً أن يتذكر هل كان العبث مضحكاً أم مزعجاً، فالضحك يخفف المعنى والانزعاج يشده.
ومن الناحية العملية يمكن أن يكون الحلم تذكيراً بتنظيم الوقت بين الجد والترفيه. فالنفس تحتاج إلى راحة مشروعة، لكنها تحتاج أيضاً إلى أهداف تسعى إليها. ويحسن أن يخصص الإنسان وقتاً محدداً للهو الحلال ليأخذ حقه من الراحة دون إسراف. وأن يحذر من الانغماس في وسائل التسلية التي تلتهم الساعات دون أن يشعر. وفي هذا حفظ للعمر وبركة في الوقت.
ومن الجانب النفسي فإن الإنسان الذي يكبت حاجته إلى المرح قد يرى القرد العابث في أحلامه تعبيراً عن تلك الحاجة. فالعبث الصغير يخفف التوتر، وقد يكون صحياً إذا بقي في حدوده. ولا بأس أن يسمح الإنسان لنفسه بلحظات من العفوية، فاللطف مع النفس جزء من الصحة النفسية. وهذا المنظور يمنح الحلم معنى إيجابياً هادئاً لا ثقل فيه.
ومن اللطائف أن العبث في الحلم قد لا يكون له أي معنى سوى أنه صورة ظريفة تمر على الذهن في لحظة استرخاء. فالدماغ حين ينام يجمع شظايا الصور ويلعب بها، وقد يكون القرد أحد أبطال هذا اللعب. فلا يحتاج الأمر إلى تأويل متكلف. ويكفي أن يبتسم الإنسان لهذه الصورة ويمضي إلى يومه، فخير التفسير ما لم يُثقل صاحبه.
ومما يُضاف أن العبث في عرف الناس درجات، فمنه ما هو خفيف يبعث على الابتسام ومنه ما يتجاوز الحد فيؤذي ويزعج. والحلم الذي يعرض عبثاً من النوع الأول لا يختلف كثيراً عن مشاهدة طفل يلعب، فلا يحمل في ذاته مدلولاً مقلقاً. أما الذي يعرض عبثاً من النوع الثاني فربما يعكس ضيقاً من فوضى حقيقية في محيط الرائي. ومن التمييز بين الدرجتين يخرج الإنسان بفهم أهدأ لما رأى.
وقد يكون من المفيد أن يتأمل الرائي حاله مع الوقت، وأن يتفقد ما يلتهم ساعاته من عادات صغيرة كتصفح الهاتف والجلوس الطويل بلا هدف. فإذا وجد في نفسه ميلاً مفرطاً إلى ذلك فلا بأس بأن يضع لنفسه حدوداً بسيطة تعينه. وليس المطلوب أن يترك المرح، وإنما أن يجعله في موضعه كما يجعل الملح في الطعام. وهذه معادلة بسيطة لكنها تحتاج إلى وعي مستمر، وقد يذكر بها الحلم برفق.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله بركة الوقت وصلاح العمل. وما يأتي به الغد من أمور فهو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
