يرى بعض الناس في منامهم قرداً أسود اللون، فيستغربون من اجتماع هذا الحيوان المرح مع لون يوحي بالغموض والجدية. وهذه الرؤية تتكرر عند كثيرين، وغالباً ما يجعل اللون الداكن الصورة أثقل وقعاً في النفس مما لو كان القرد بلون فاتح. ومن الضروري أن نقول إن التفسير رمزي لا حرفي، فاللون الأسود في الأحلام ليس حكماً بشؤم ولا نذيراً بسوء، وإنما هو عنصر من عناصر الصورة له دلالات متعددة عند المفسرين.
يُنظر إلى السواد في الرؤى بوصفه رمزاً للغموض والخفاء والأمور غير الواضحة، وقد يدل أحياناً على الجدية والهيبة كذلك، فهو لون ذو وجهين. فإذا اقترن بالقرد الذي يرمز إلى المرح والتقليد والحيل الصغيرة، جاءت الصورة أقرب إلى أمر خفيف في ظاهره غامض في باطنه، أو إلى سلوك مرح يخفي وراءه نية غير مفهومة. وهذه كلها قراءات تتعلق بالسلوك والمواقف، وليست حكماً على أحد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الأسود من الحيوان في المنام قد يميل إلى معنى الهم أو الأمر الثقيل أكثر من الأبيض، وإن كان ذلك متوقفاً على سياق الرؤية وحال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للألوان أثراً في تحديد جهة المعنى، وأن الداكن منها يشير إلى ما يخفى ولا يظهر. وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافاً واسعاً، وكثير منهم نبّه إلى أن اللون وحده لا يكفي للحكم على الرؤية.
ويتغير المعنى بتغير ما يفعله القرد الأسود. فإن كان هادئاً يجلس بعيداً فقد يرمز إلى أمر غامض لا يؤذي، وإن كان يقترب ويحدق في الرائي فقد يدل على شيء مبهم يطلب انتباهه. وإن كان يلعب ويقفز فالسواد يخفّ أثره وتغلب عليه خفة الحركة. وكذلك فإن شعور الرائي بالطمأنينة أو القلق يعدّل المعنى، فرب منام فيه حيوان داكن ولم يترك في النفس إلا الفضول.
وللرجل قد يشير القرد الأسود إلى أمر لم يتضح بعد في عمله أو علاقاته، أو إلى شخص يصعب فهم مقاصده فيحتاج إلى التريث وحسن الظن مع الحذر المعتدل. ولا يعني ذلك اتهام أحد، فالأفضل أن يتعامل الرائي مع الناس على الظاهر ويتحرى بالوسائل المشروعة إن كان هناك أمر مهم. وللتاجر قد تذكّره بأن يوضح عقوده ويدون اتفاقاته، لا أكثر.
وللمرأة قد يعبّر القرد الأسود عن قلق غير محدد أو أمر تؤجل مواجهته. وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى تردد في أمر لم يتبين لها وجهه، وللمتزوجة قد يعكس ضيقاً صغيراً مكتوماً يحتاج إلى حديث هادئ. وللحامل تكون الرؤية في الغالب انعكاساً للترقب وكثرة التفكير، ولا تُحمَّل أبعد من ذلك. والمهم أن تبتعد كل رائية عن التهويل وتتمسك بالدعاء والطمأنينة.
ومن التفاصيل المهمة درجة السواد وبريق الفرو وحالة القرد. فالأسود اللامع الصحي غير الباهت المتسخ، والأول أقرب إلى القوة والحيوية، والثاني أقرب إلى الإهمال وضعف العناية. وإن ظهر في الليل فقد يتضاعف معنى الخفاء، وإن ظهر في النهار تخفف. ومع ذلك تبقى هذه التفاصيل ملامح تأمل لا قوانين، فليس هناك مفتاح ثابت يصلح لكل رائي.
وعلى المستوى النفسي قد يتذكر الرائي أن الغموض أحياناً من صنع الخيال، وأن كثيراً مما نخشاه يزول عند مواجهته بالسؤال والوضوح. فمن كان عنده أمر مؤجل فليبدأ بخطوة صغيرة، ومن كان يشعر بالقلق فليتحدث مع من يثق به. وليحتفظ بروح الدعابة، فالقرد الأسود في النهاية قرد، والضحك مع النفس يخفف ثقل الظلال، وتنظيم الأغراض والمواعيد يمنح شعوراً بالسيطرة.
ولعل من المفيد التذكير بأن الأحلام التي تتخللها ألوان داكنة تتأثر كثيراً بالإضاءة التي ينام فيها الإنسان وبحالته المزاجية في ذلك اليوم. فمن نام وهو متعب أو مشغول البال قد تأتيه صور أثقل وأغمق، ومن نام مرتاحاً قد تأتيه صور أخف وأوضح. وهذا يعني أن اللون الأسود قد يكون مجرد أثر لحالة النفس لا رسالة خاصة بالقرد نفسه. فإذا استيقظ الرائي وشعر بشيء من الثقل فليغسل وجهه، وليفتح النافذة، وليذكر الله، ثم ليشغل نفسه بعمل نافع. وبهذا تتبدد كثير من الصور التي تعلق بالذهن في الصباح الأول، ويعود الإنسان إلى يومه بخفة وطمأنينة.
وفي الختام نكرر أن هذه الأقوال اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا تصلح أساساً لأي قرار فعلي في الحياة، فاللون الأسود في المنام ليس علامة سوء بذاته. وإن علم الغيب عند الله وحده سبحانه. فعلى الرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بربه، وأن يترك الوساوس وراءه ويمضي في يومه بعزم وسكينة.
