يتكرر في المنامات أن يرى طفلٌ صغير قرداً، أو أن يرى الكبير في نومه طفلاً يلهو مع قرد أو يقف أمامه مندهشاً. وهذا المشهد من أكثر ما يمر على خيال الصغار، لأن القرود تملأ كتب الصور والرسوم والحكايات التي يألفها الأطفال في يقظتهم. فإذا استيقظ الحالم أو استيقظ والداه وهما يتساءلان عن معناه، فالأولى أن يُنظر إليه نظرة رمزية هادئة لا نظرة حرفية. فالأحلام تتأثر كثيراً بما يشاهده الإنسان في يومه وبما يشغل باله، وتفسيرها اجتهاد يتفاوت فيه الناس ولا يُبنى عليه حكم قاطع.
أما الدلالة العامة للقرد في المنام عند من تكلموا في هذا الباب، فتدور حول المرح والعبث وسرعة الحركة وحب التقليد. وهو في خيال الناس رمز للكائن الذي لا يهدأ، يقفز من غصن إلى غصن، ويحاكي ما يراه من حوله دون كثير تفكير. ولذلك كان ظهوره في حلم طفل أقرب ما يكون إلى انعكاس طبيعة الطفولة نفسها، فهي مرحلة لعب وتجريب ومحاكاة للكبار. وهذا المعنى يخفف من وطأة الحلم، فليس فيه ما يدعو إلى القلق في الغالب.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد قد يُشار به إلى صاحب خفة وحيلة صغيرة وقلة جدية، وأن الصغير إذا ظهر معه كان ذلك أدعى إلى حمل الأمر على اللهو والمزاح. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة من هذا، تتصل بالسلوك لا بالأشخاص. ومن المهم أن يُقال إن المفسرين اختلفوا في هذه الأمور، وإن ما نُقل منسوب إليهم نسبة لا تخلو من الاختلاف. ويبقى الأفضل أن نقتصر على الصفات والسلوكيات، فلا نُسقط القرد على أحد من الناس ولا نصف به أحداً.
ويتغير المعنى بتغير تفاصيل المشهد. فإذا كان القرد صغيراً وديعاً يلعب مع الطفل ويضحكان معاً، فهو أقرب إلى معنى الألفة والفرح وسعة الخيال. وإذا كان كبيراً صاخباً يفزع الطفل ويطارده، فقد يُشار به إلى ضغط أو انزعاج صغير في محيط الطفل، كازدحام في البيت أو إلحاح من أقران. وللون الحيوان وعدده وحركته أثر في التأويل، فالقرد الهادئ غير القرد المتقافز، والواحد غير الجماعة. وكذلك المكان، إذ تختلف الدلالة بين حديقة مفتوحة وغرفة مغلقة.
وإذا كان الرائي هو الطفل نفسه، فالغالب أن حلمه صدى لما شاهده أو سمعه أو تمنى أن يفعله. فربما زار حديقة حيوان أو شاهد مقطعاً مضحكاً أو سمع حكاية عن قرد شقي، فاستقر ذلك في ذهنه. وقد يعكس الحلم أيضاً رغبته في اللعب والحركة، أو إعجابه بخفة الحيوان وقدرته على التسلق. فلا ينبغي للأهل أن يحمّلوا الحلم أكثر مما يحتمل، بل يكفي أن يسمعوا طفلهم بحنان ويسألوه عما أحب فيه وما أخافه منه.
وإذا رأى الأبوان في منامهما طفلهما مع قرد، فقد يُحمل ذلك على انشغالهما بسلوكه وحيويته ومقدار شقاوته. فالأم التي ترهقها كثرة حركة صغيرها قد ترى مثل هذا المنام تعبيراً عن اهتمامها وتعبها معاً. والأب الذي يتأمل مستقبل أبنائه قد يراه إشارة إلى رغبته في توجيه طاقة الطفل نحو ما ينفعه. وكل هذا من باب الاحتمال لا الجزم. وقد يرى الرجل أو المرأة غير المتزوجة طفلاً مع قرد فيكون ذلك أثراً لحنين إلى أيام اللعب القديمة.
ومن التفاصيل التي تُنظر في هذا الحلم موقف الطفل نفسه، أهو ضاحك أم باكٍ، وهل يمد يده إلى القرد أم يختبئ منه. فالطفل الضاحك المقبل على الحيوان يُقرأ على أنه ميل إلى الاستكشاف والتجربة. والطفل الذي يختبئ قد يكون خائفاً من شيء آخر في يقظته ولم يجد له تعبيراً إلا في صورة الحيوان. وكذلك ما يفعله القرد، فإن أخذ لعبة الطفل أو قلده في حركاته فذلك يُشار به إلى المحاكاة والتعلم من المحيط، وإن اكتفى بالنظر فهو أقرب إلى الفضول المتبادل.
ومن الناحية العملية والنفسية، يمكن أن يكون هذا الحلم دعوة لطيفة للكبار كي ينتبهوا إلى ما يتعلمه أطفالهم بالتقليد. فالصغار يحاكون ما يرونه من أهلهم أكثر مما يسمعونه، فيحسن أن يكون ما يرونه حسناً. ويحسن أيضاً أن يُتاح للطفل وقت كافٍ للعب الحر والحركة حتى لا تتحول طاقته إلى توتر. ومن الجميل أن يحافظ الكبار على روح الدعابة في التعامل مع شقاوة الصغار، فإن في ذلك راحة للجميع. وإن أخاف الحلمُ الطفلَ فيكفيه أن يُطمأن وأن يُقال له إنها صورة في النوم لا تؤذي.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في شأن الطفل أو غيره. فلا يُغيَّر بسببه برنامج دراسة ولا تُبنى عليه مخاوف ولا توقعات، وإنما يُكتفى بالدعاء للصغار بالصلاح والحفظ وحسن الظن بالله. وما كان من أمر المستقبل فهو من الغيب الذي اختص الله بعلمه وحده، فنطمئن إلى رحمته ونأخذ بالأسباب المشروعة في تربية أبنائنا ورعايتهم.
