قد يرى النائم في منامه قرداً يتسلق شجرة بسرعة ومهارة، يتمسك بالأغصان ويرتقي من فرع إلى فرع حتى يبلغ قمتها. وهذه صورة مألوفة مرتبطة بطبيعة القرد، وتبعث في النفس شعوراً بالإعجاب بقدرته على الصعود. ومع ذلك لا بد من التذكير بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأن مشهد التسلق ليس خبراً عن حدث قادم، وإنما هو صورة تُقرأ بحذر وهدوء على أنها إشارة عامة إلى معان تتصل بالسعي والارتقاء وأساليبه.
الشجرة في الرؤى ترتبط عادة بالأصل والنماء والمكانة، وصعودها يرتبط بالطموح والرغبة في بلوغ مقام أعلى. فإذا اجتمع ذلك مع القرد الذي يُعرف بالخفة والذكاء في الحيل الصغيرة، أمكن أن تُقرأ الصورة على أنها سعي نحو العلو بسرعة ومرونة، وربما بطرق التفافية أو غير تقليدية. وقد تعبّر أيضاً عن شخص أو حالة تتقن التسلق إلى الفرص بخفة وتحاكي من سبقها في الصعود، وكل ذلك وصف لسلوك لا حكم على أحد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الصعود في المنام على الشجر قد يدل على رفعة أو سعي إلى مكانة، وأن ما يُحمل عليه يتوقف على سلامة المصعود وثباته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشجرة كثيراً ما تدل على الأصل والأسرة والنفع، فيكون التسلق عليها متصلاً بطلب المنفعة. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل ذلك، فمنهم من حمله على الخير ومنهم من توقف، ولذلك لا يُعتمد عليه اعتماداً جازماً.
ويتغير المعنى بتغير نوع الشجرة وحالها. فالشجرة المثمرة الخضراء توحي بسعي نحو منفعة وخير، والشجرة اليابسة توحي بسعي في أمر قليل الثمرة. وإن كانت الشجرة عالية جداً فقد تدل على طموح كبير، وإن كانت قصيرة فقد تدل على هدف قريب. وهل كان القرد يصعد بثبات أم يتعثر؟ وهل يصل إلى القمة أم يتوقف؟ كل هذه الأمور تلون الصورة، وشعور الرائي وهو ينظر إلى المشهد يضيف حكماً آخر على الاتجاه العام.
وللرجل قد يكون القرد المتسلق إشارة إلى سعي في عمله أو ترقيته، وقد يدعوه إلى أن يصعد بالجد والصبر لا بالتقليد والحيلة وحدهما. وللتاجر قد تشير الصورة إلى سعي نحو توسعة نشاط أو الوصول إلى مكانة أعلى في السوق، ولا يُبنى على ذلك قرار مالي، فالتوسع يحتاج إلى دراسة. وللطالب قد تعبّر عن رغبة في تسلق سلّم الدرجات والمراتب، وهي رغبة مشروعة تُحمد إن كانت بالاجتهاد.
وللمرأة المتزوجة قد تشير الرؤية إلى أبناء يتسلقون ويلعبون، أو إلى طموح تحمله لتحسين أمر في بيتها. وللفتاة غير المتزوجة قد تعبّر عن رغبة في التقدم في دراستها أو عملها، أو عن مجاراة صديقات سبقنها في أمر ما. وللحامل قد يكون المشهد مجرد صورة مرحة تعبّر عن نشاط الذهن. وكل هذه معانٍ ظنية يغلب عليها الطابع الودي ولا يترتب عليها شيء.
ومن التفاصيل الدقيقة موقع القرد عند انتهاء المشهد. فإن استقر على القمة هادئاً فهو أقرب إلى بلوغ الغاية والاطمئنان، وإن قفز عنها فهو أقرب إلى التنقل المستمر. وإن كان يقطف الثمر فقد يرمز إلى طلب المنفعة، وإن كان يهز الأغصان فقد يرمز إلى إزعاج صغير. وهل كان في الشجرة غيره؟ فاجتماع القرود على شجرة قد يعبّر عن منافسة على أمر مشترك، وهذه تفاصيل ينبغي أخذها بتأمل لا بحزم.
وعلى المستوى النفسي قد يسأل الرائي نفسه: إلى أين أريد أن أصعد؟ وهل أصعد بجهدي أم أكتفي بتقليد من سبقني؟ فالقرد المتسلق قد يكون دعوة إلى طموح مشروع يحفظ معه الإنسان قيمه ولا يدوس بها على أحد. ومن الحكمة أن يبني الإنسان سلّمه بالتدريج، وأن يتأكد من متانة الأغصان التي يستند إليها، وأن يحتفظ بحس الدعابة وهو يصعد، فالطريق إلى الأعلى أخف حين يرافقه الابتسام.
ومن الملاحظ أن مشاهد التسلق تكثر في أحلام من يمر بمرحلة تنافس أو انتظار نتيجة، فالنفس تُسقط أمنياتها على صور الصعود. وهذا يجعل الرؤية في كثير من الأحيان انعكاساً لرغبة داخلية أكثر منها نبوءة بخارج. فمن كان في هذه المرحلة فليبذل جهده، وليترك النتيجة لله، وليقل في نفسه إن الرزق والمقام بيد الله وحده، وإن السعي المشروع مأمور به، وإن القلب المطمئن أبقى أثراً من أي ارتفاع.
وفي ختام الحديث نؤكد أن كل ما مضى اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا يصح أن يُتخذ سنداً لقرار في عمل أو مال أو علاقة. والغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه، وليست الأحلام بديلاً عن الأخذ بالأسباب. فمن رأى ما أعجبه فليحمد الله، ومن رأى ما لم يفهمه فليحسن الظن بربه، وليدعه بالتوفيق والسداد في سعيه، وليمضِ في طريقه مطمئناً.
