يتخيل الحالم أحياناً قرداً يرقص أمامه على إيقاع يسمعه، يقفز ويدور ويلوّح بيديه وسط ضحكات أو في هدوء. وهذه الصورة من الصور المرحة التي تحمل شيئاً من الخفة والطرافة، وقد يستيقظ منها الإنسان مبتسماً. والتأويل هنا رمزي لا حرفي، فهو لا يعني حدثاً سيقع في الواقع ولا يتضمن خبراً بعينه، وإنما هو قراءة لصورة تتصل بالمرح والإيقاع والاستعراض كما فهمها بعض المهتمين بهذا الباب.
القرد في كلام المعبّرين رمز للمرح والتقليد والحركة الدائمة والفضول، والرقص رمز للفرح أو للاستعراض أو للانشغال بما يلهي. فإذا اجتمعا فقد يعني الحلم حالة من الابتهاج الخفيف أو من الانشغال بترفيه عابر، وقد يعني شخصاً يستعرض أمام الناس بطريقة مرحة، أو أن الحالم يتلقى أنباء خفيفة لا تتجاوز حدود المرح. وقد يعبّر أيضاً عن حاجة الحالم إلى فسحة من اللهو بعد انشغال طويل، فالنفس تحتاج إلى استراحة.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن الرقص في المنام قد يدل على لهو أو فرح غير دائم، وأنه قد يشير أحياناً إلى حال غير مستقرة تتبدل بسرعة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حركة الحيوان المرحة في الرؤيا تدل على خفة أحوال من يتصل به. واختلف المفسرون في هذه الأمور اختلافاً كبيراً، وليس فيما ذكر قول قاطع، وهو متعلق بالسلوك والأحوال لا بجماعة من الناس، ولا يمس أحداً بسوء.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الرقص جميلاً منسجماً والقرد سعيداً فالأمر أقرب إلى فرح خفيف، وإن كان عشوائياً مضطرباً أو كان القرد يرقص باضطرار فقد يشير إلى استعراض متكلف أو إلى انشغال يرهق. وإن رقص أمام جمهور فقد يشير إلى أمر يُعرض على الناس، وإن رقص وحده فقد يشير إلى مرح داخلي. ولا يفوت المعبّر الانتباه إلى الموسيقى المرافقة وإلى مكان الرقص، أهو بيت أم ساحة أم احتفال، فكلها تلوّن الصورة. ومشاعر الرائي من بهجة أو انزعاج هي الأساس.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعني الحلم عند بعضهم مزاجاً مرحاً وأحاديث خفيفة وربما مناسبة اجتماعية قريبة، أو ميلاً إلى الترفيه والصحبة اللطيفة. وقد يدعوها إلى أن توازن بين المرح والجد، فتستمتع دون أن تضيّع أولوياتها. وإن كان الرقص يزعجها فقد تعبّر الصورة عن شعور بأن من حولها يستعرضون أكثر مما ينبغي. وكل هذا ظن لا يُلزم.
وللمرأة المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه إشارة إلى أجواء بهجة أسرية أو مناسبات اجتماعية أو أطفال يملؤون البيت حركة، وقد يعبّر عن حاجتها إلى لحظات مرح في أيام مزدحمة. وللرجل قد يدل على انشغال بترفيه أو لقاءات خفيفة، أو على مرح الزملاء في العمل. وللتاجر قد يقرأ بعضهم الصورة على أنها أجواء موسم أو عروض ترويجية، ويكون حذراً من أن تشغله الأضواء عن الحسابات الدقيقة.
ومن التفاصيل الدقيقة ما إذا كان القرد يرقص بمفرده أم مع الحالم، فمشاركته قد توحي بانغماس في المرح، وانفراده قد يوحي بمشاهدة فقط. وهل توقف الرقص فجأة، فقد يعبّر ذلك عن فرح لا يدوم، وهل ازداد حماساً، فقد يعبّر عن موجة مرح تتصاعد. وهل صفق الحاضرون له أم تجاهلوه، فالتصفيق يدل على استحسان والتجاهل على عدم اكتراث. وهل أعطاه أحد مالاً أو طعاماً، ففي ذلك رمز لمكافأة الاستعراض.
وللحلم جانب نفسي مفيد، فهو يذكّر بأن الفرح جزء من الحياة، وأن الإنسان يحتاج إلى لحظات خفة يستعيد بها نشاطه. وفي الوقت نفسه ينبه إلى ألا يطغى اللهو على الواجبات، وألا يتحول الاستعراض إلى غاية. ومن الجميل أن نتعلم من الصورة أن نرقص على إيقاعنا نحن لا على إيقاع غيرنا، فنختار ما يناسبنا بأصالة بدل أن نقلد كل ما يعجب الناس.
وربما كان للحلم أصل في مشهد رآه الحالم قبل نومه، كمقطع طريف أو احتفال أو لعبة طفل، فتشكل في خياله على هيئة قرد يرقص. وفي هذه الحال لا يحمل المشهد أكثر من بقايا النهار. ومن عادة العقل أن يعيد ترتيب ما رآه في صور غريبة، فلا ينبغي أن نحمّل كل صورة معنى ثقيلاً. وكفى بالحالم أن يبتسم ويحمد الله ثم يعود إلى شأنه.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يتخذ أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو المناسبات أو العلاقات. والأولى بمن رأى الحلم أن يدعو الله ويحسن الظن به، وأن يشكره على ما أنعم به من لحظات الفرح. فعلم الغيب عند الله وحده، والأحلام صور قد تحمل رمزاً وقد تكون من حديث النفس، ولا تقرر شيئاً مما سيكون.
