يرى بعض الناس في المنام قرداً فيشعرون نحوه بالنفور والاشمئزاز، فيبتعدون عنه أو يشيحون بوجوههم ويستيقظون وفي النفس انقباض. وهذه الرؤية من المشاعر التي قد تبدو مزعجة، لكنها في حقيقتها شعور من مشاعر النوم لا يدل بالضرورة على شيء في الواقع. والتفسير فيها رمزي لا حرفي، ويحسن أن يستقبلها الرائي بطمأنينة وهدوء، فالنفور من صورة في الحلم لا يعني أن شيئاً سيئاً سيحدث، وإنما هو في الغالب أثر لتجربة أو شعور مرّ به في يقظته.
والقرد في عرف الرموز يشير إلى العبث وسرعة الحركة والتقليد والفوضى الخفيفة. فإذا ارتبط به الاشمئزاز فقد يُقرأ على أن الرائي يضيق ذرعاً بأمر فيه عشوائية أو ضجيج أو قلة انضباط حوله. وقد يكون ذلك في بيئة عمل غير مرتبة، أو في سلوك مزعج يتكرر أمامه، أو في فوضى داخلية يشعر بها. وليس في ذلك ما يدعو إلى الخوف، بل هو قريب من صورة النفس حين تحب النظام وتتأذى من الاضطراب.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن النفور من الشيء في المنام قد يُحمل أحياناً على كراهية الإنسان لخلق أو سلوك في نفسه أو فيما حوله. وذهب بعض من تكلموا في هذا الباب إلى أن كراهة ما يُرى في المنام قد تدل على رغبة في الابتعاد عن أمر لا يليق. والمفسرون اختلفوا اختلافاً واسعاً، ولا ينبغي أن يُبنى على قول واحد حكم. وهي قراءات في السلوك والأخلاق، ولا يجوز أن تُسقط على شخص ولا جماعة، ولا أن يُوصف بها أحد.
وللتفاصيل أثر في المعنى. فإن كان القرد قذراً أو مزعجاً بصوته، فالأقرب أن الاشمئزاز جاء من صورة الحيوان نفسها وما رافقها من روائح أو أصوات متخيلة. وإن كان القرد نظيفاً هادئاً ومع ذلك نفر منه الرائي، فقد يكون النفور من شيء آخر في حياته أسقطه على الحلم. وإن لمسه الرائي ثم تقزز، فقد يُقرأ على أنه ضيق بمشاركة أحد في أمر لا يرتاح إليه. ولكل مشهد قرائنه التي لا يعرفها إلا صاحبه.
وتختلف الحالات. فالمرأة غير المتزوجة قد تعبر هذه الصورة عندها عن نفور من موقف اجتماعي مزعج أو ضغط من تدخل الآخرين. والمتزوجة قد تعكس فوضى البيت وإرهاق الأطفال. والحامل تكثر عندها الأحلام المنفِّرة بتأثير تغير الحواس والروائح والمزاج، فهي ظاهرة معروفة لا تستدعي القلق. والرجل قد يكون نفوره من فوضى العمل أو الطريق أو أصوات الزحام. وكل ذلك احتمالات هادئة.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي هل غلب عليه الشعور بالنفور أم بالخوف، فالنفور أقرب إلى الكراهة والخوف أقرب إلى القلق. والنفور يُحمل غالباً على أمر يريد الابتعاد عنه، أما الخوف فعلى أمر يخشاه. وهذا التمييز يعين على فهم الحلم دون مبالغة. وكذلك يُنظر في ما فعله بعد ذلك، أهرب أم غطى وجهه أم أبعد القرد، فتصرفه في الحلم يشبه تصرفه عند مواجهة ما يضايقه.
وفي الجانب النفسي يمكن أن يُفهم الحلم على أنه إشارة إلى حاجة الرائي إلى مزيد من الترتيب والهدوء في بيئته القريبة. فيحسن أن ينظم مكان نومه وعمله، ويخفف من الضوضاء، ويعطي نفسه استراحة من الزحام. ومن اطمأن إلى أن النفور في الحلم أمر طبيعي لم يعد يلتفت إليه كثيراً. وليتذكر أن القرد في الخيال الشعبي حيوان مرح غير مؤذٍ، فلا داعي لأن يترك الصورة أثراً ثقيلاً في نفسه.
وليكن الرائي رحيماً بنفسه، فإن من الأحلام ما هو مجرد ضغط يخرج في ليلة ثم ينتهي. وإذا أزعجه الحلم فليغسل وجهه ويشرب الماء ويذكر الله ثم يعاود النوم. وليتجنب التفكير في الحلم والتحدث به أمام من يهول الأمور. وإن كان يتأذى من أحلام متكررة فلا بأس بالاستعانة بأهل الاختصاص النفسيين دون حرج.
ومن المفيد أن يفرّق الرائي بين الاشمئزاز من القرد نفسه والاشمئزاز من الموقف الذي ظهر فيه القرد. فقد يكون الحلم عن مكان مزدحم أو طعام متناثر أو ضجة عالية، ويكون القرد جزءاً من المشهد فقط. وفي هذه الحال يكون التركيز على ما أزعجه فعلاً في الصورة كلها لا على الحيوان. وهذه الطريقة في التأمل تجنب الرائي الوقوع في تفسيرات متعسفة لا أصل لها. ومن تعلم أن يصف شعوره بدقة سهل عليه فهم نفسه دون الحاجة إلى رموز كثيرة.
ومما يخفف أثر هذا النوع من الأحلام أن يتذكر الرائي أنه لا يملك أحد أن يحاسب إنساناً على مشاعره في النوم، فهي خارجة عن إرادته. ولا يلزم من النفور فيها أن يكون هناك ذنب أو تقصير أو عاقبة. بل إن الأصل في الأحلام المزعجة أنها تنحسر مع الراحة والذكر وحسن الظن. فمن نام على طهارة وذكر لله وأحسن ترتيب يومه كان أقرب إلى نوم هادئ، وهذا من الأسباب المعتادة التي ينتفع بها الناس.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُجعل أساساً لقرار في حياة الإنسان أو علاقاته. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، فهو سبحانه أرحم بعباده من أن يُقلقهم بصورة نوم. وأمور الغد غيب لا يعلمه إلا الله، ومن توكل عليه كفاه.
