يرى النائم أحياناً قرداً يأكل فاكهة من نوع أو أنواع مختلفة، كالتفاح أو العنب أو التين أو غيرها، وقد يقطفها بنفسه أو يتناولها من يد الرائي. وهذه الرؤية أوسع من رؤية الموز وحده، لأن تنوع الفاكهة يفتح باب قراءات أكثر. وكما في كل أبواب الرؤى فالتفسير رمزي لا حرفي، ولا يعني المشهد وعداً بشيء ولا تحذيراً منه، بل يُقرأ على أنه صورة عامة تحتمل أكثر من وجه، وسنعرضها بتحفظ.
الفاكهة في الرؤى تدل عند كثير من المفسرين على الخير والنفع والمتعة المباحة، وتتفاوت دلالتها بحسب نوعها وطعمها وموسمها. فإذا كان آكلها قرداً، فقد تُقرأ الصورة على أنها نفع يُتناول بمرح وخفة، أو على أنها نعمة يتنعم بها من لا يبدو عليه الجد. ويمكن أن تعبّر عن سلوك يقتطف ثمار الآخرين دون تعب، أو عن تذوق متنوع للحياة وفرصها. وهذه كلها قراءات تتعلق بسلوك وأحوال ولا تتضمن حكماً على أحد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الفاكهة تختلف دلالتها باختلاف نوعها، فما كان حلواً ناضجاً دل على خير ولذة، وما كان حامضاً أو فجّاً دل على أمر يحتاج إلى صبر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحيوان الآكل من الثمر قد يشير إلى من يتنعم بنفع قد لا يكون ملكاً له. وهذه الأقوال اختلف فيها المفسرون كثيراً، فهي اجتهادات تُسمع بتأنٍّ، ولا تُعد أحكاماً.
ويتغير المعنى تبعاً لنوع الفاكهة وطريقة الأكل. فإن كانت حلوة ناضجة فالمعنى أقرب إلى خير يسير ومتعة طيبة، وإن كانت حامضة فقد تعبّر عن أمر فيه شيء من الصبر. وإن كان القرد يقطفها من شجرة فهو أقرب إلى استفادة من جهد غيره أو من نعمة متاحة، وإن كان يأخذها من يد الرائي فقد يرمز إلى مشاركة في نفع. وإن كان يتخير ويرمي ما لا يعجبه فقد يعبّر عن انتقاء سريع بلا تدقيق، وكل هذا يتوقف على سياق الرؤية.
وللرجل قد يرمز المشهد إلى مصادر نفع متعددة يتذوقها بمرح، أو إلى أصحاب يشاركونه الأنس. وللتاجر قد يشير إلى تنوع في البضائع أو الفرص، ولا يُبنى على ذلك تقدير مالي، فتقدير الأرباح للحساب والتخطيط. وقد يكون التفسير الأبسط أن الرائي رأى فاكهة قبل نومه فتحوّلت في الحلم إلى مشهد ظريف، وهذا من أكثر ما يقع للناس في أحلامهم.
وللمرأة المتزوجة قد يعبّر المشهد عن سفرة البيت العامرة أو عن حيوية الأطفال وهم يتخاطفون الفاكهة، وللفتاة غير المتزوجة قد يدل على حياة متنوعة التجارب والاهتمامات. وللحامل قد ترتبط الرؤية بالاشتهاء وتغير الطعام، وهو أمر معروف لا يحمل دلالة غيبية. وهذه القراءات كلها احتمالية، ويحسن أن يأخذها الرائي بخفة، فلا يرهق نفسه بتحليل كل فاكهة ظهرت في منامه.
ومن التفاصيل التي تدقق الصورة عدد أنواع الفاكهة وألوانها وحالتها. فالتنوع الكثير قد يدل على وفرة اختيارات، واللون الزاهي على بهجة، والثمر الفاسد على أمر لا يطول نفعه. وهل كان القرد يأكل في كرم أم في خفية؟ فالأول أقرب إلى الانبساط، والثاني أقرب إلى أمر يُؤخذ على عجل. وهل كان ينشر بقايا الأكل؟ فذلك قد يرمز إلى فوضى تعقب المتعة. وهذه كلها ملامح تأمل ظنية ينبغي ألا يُبالغ فيها.
وعلى المستوى النفسي يمكن أن يسأل الرائي نفسه: هل أستفيد من النعم المتاحة حولي شاكراً؟ وهل أكتفي بتذوق الأمور السهلة وأترك الأهم؟ فالقرد الآكل للفاكهة قد يذكر بأن في الحياة طيبات يحسن أن نتذوقها بامتنان، وأن الموازنة بين المتعة والمسؤولية فن. وليحرص الرائي على أصالة ما يتناوله من فكر وعمل، وألا يقتات على جهد غيره، وأن يحفظ طعامه وأغراضه بحكمة دون تشدد، وأن يبقي روح الدعابة في أيامه.
ومن المفيد أن نتذكر أن الفاكهة مرتبطة في الوعي الإنساني بالسخاء والموسم والخير، ولذلك فإن مشاهدها في الأحلام تميل غالباً إلى الخفة والبهجة. فلا ينبغي للرائي أن يتشاءم من ظهور حيوان معها، فالأمر لا يتجاوز كونه صورة ذهنية متداخلة. وخير ما يُستفاد منها أن يشكر الله على ما رزقه، وأن يجعل من الفاكهة التي يتناولها في يقظته مناسبة للحمد والتواضع.
وفي الختام نكرر أن هذه الأقوال اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُجعل مرجعاً لأي قرار فعلي في الرزق أو العمل أو العلاقات. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يظنه الناس من بشائر أو تحذيرات في المنامات لا يغني عن الأخذ بالأسباب. فلنحسن الظن بالله، ولندعه بالبركة، ولنمضِ إلى أعمالنا بأمانة وتفاؤل وسكينة.
