يرى بعض الناس في منامهم قرداً يتبعهم أينما ذهبوا، يمشي خلفهم ويقف إذا وقفوا ويلتفتون فيجدونه على بعد خطوات. وهذا المشهد يختلف عن الصحبة الودية، فالقرد هنا يأتي من الخلف ويلاحق، وقد يكون ذلك مبعث دهشة أو انزعاج أو ضحك. والتفسير فيه رمزي لا حرفي، فلا يدل على أن أحداً يتعقب الرائي في الواقع، وإنما هو في الغالب صورة لشعور داخلي بوجود أمر يلاحقه أو يشغل باله باستمرار.
والمعنى العام للقرد عند من تحدثوا في هذا الباب يدور حول المرح والتقليد والعبث وحب الاستطلاع. والتتبع من صفات الفضول والتقليد معاً، فالقرد يتبع من يراه ليحاكيه ويتعلم منه. فإذا رأى الإنسان قرداً يتبعه فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة لأثر يتركه الرائي في من حوله، أو لعادة صغيرة تلاحقه، أو لفكرة تتردد في ذهنه ولا تفارقه. وقد تكون فكرة مرحة أو مزعجة بحسب ما أحس به في الحلم.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على خفة وقلة جدية وتقليد، وأن اتباع الحيوان للإنسان في المنام قد يُحمل على ملازمة أمر له. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يتبع الإنسان في المنام قد يرمز إلى ما يتصل به من عمل أو عادة أو حال. واختلف أهل التفسير في ذلك اختلافاً بيناً، فلا نجزم بقول. وكل ذلك يخص السلوك والأحوال، ولا يجوز أن نصف به إنساناً أو جماعة، فهو صورة في النوم لا تُسقط على أحد.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل. فإن كان القرد يتبع الرائي بهدوء وعلى مسافة فالأمر أقرب إلى فضول أو شاغل خفيف. وإن كان يقترب بسرعة ويقفز فهو أقرب إلى إلحاح وانزعاج. وإن كان يقلد خطواته بمرح فهو أقرب إلى معنى المحاكاة. وإن توقف حين توقف فهو يذكّر بما يلازمنا من أمور لا نستطيع الهرب منها بالجري. وإن اختفى فجأة فقد يعبر عن زوال شاغل. وللمكان أثر، فالطريق المفتوح غير الزقاق الضيق.
وفي حال المرأة غير المتزوجة قد تعبر الرؤية عن انشغال بالتفكير في أمر يلاحق ذهنها أو عن حساسية من نظرات الناس. والمتزوجة قد تعبر عن ملازمة الأطفال والمسؤوليات لها. والحامل قد تعبر عن شعورها بأن همّ الولادة يتبعها حيثما ذهبت. والرجل قد يرى فيها صورة لمهام العمل التي تلازمه حتى في إجازته. وكل ذلك قراءات هادئة تحتاج إلى تقدير صاحبها لحاله.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي موقفه من القرد: هل استمر في المشي أم التفت إليه، وهل حاول إبعاده أم ترك الأمر. فمن التفت وواجه فقد يكون ميله إلى مواجهة ما يشغله. ومن استمر في المشي فقد يميل إلى التجاهل. ومن أطعم القرد ليكف عنه فقد يكون ميله إلى المصالحة. وهذه الأفعال في الحلم تشبه كثيراً أساليب الإنسان في التعامل مع مشكلاته اليومية. ويحسن أن يسأل نفسه: ما الأمر الذي يتبعني ولا أنتبه إليه.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن الأمور التي تلاحقنا كثيراً ما تهدأ إذا واجهناها. فمن كان يؤجل عملاً أو قراراً أو محادثة، فالأفضل أن ينجزه حتى يخف ضغطه. ومن كان يشعر بتتبع نظرات الناس فليذكّر نفسه بأن الناس مشغولون بأنفسهم. وإن كانت الفكرة مزعجة فليحولها إلى خطة بسيطة. وكل ذلك يخفف أثر هذا النوع من الأحلام ويجعله أقرب إلى المرح منه إلى القلق.
وفي الجانب الإيماني فإن الإنسان لا يخلو من هموم تتبعه، والعلاج هو التوكل على الله والأخذ بالأسباب. فمن فوّض أمره إلى ربه وأحسن العمل، خفت عنه الملاحقات النفسية. والدعاء والذكر من أنفع ما يسكن القلب. فإذا رأى المرء هذا الحلم فلا يزيده إلا تذكيراً بالرجوع إلى ربه وبترتيب يومه بما يرضيه.
ومن اللطائف أن بعض الناس يرون القرد يتبعهم فيضحكون من إصراره، فيُحمل ذلك على أن في شخصيتهم جاذبية أو خفة ظل تلفت الآخرين. وهذا من باب التفاؤل البسيط لا الجزم. وهو يذكّر بأن الإنسان قد يؤثر في غيره بسلوكه أكثر مما يتوقع، فعليه أن يكون قدوة حسنة في الخير.
ومما يذكر في هذا الباب أن بعض الناس يخشون من الأحلام التي فيها ملاحقة، لأن الملاحقة في الواقع مصدر خوف. غير أن الملاحقة في المنام تختلف، فهي في الغالب رمز لأمر نفسي لا لخطر خارجي. ومن أمثلتها أن يلاحق الإنسان ما يؤجله أو ما يتجنب التفكير فيه، فيظهر في صورة حيوان يمشي خلفه. وإذا رأى الإنسان القرد في هذه الصورة المرحة فهذا أقرب إلى تذكير لطيف منه إلى تهديد.
ويحسن أن ينتبه الرائي إلى أنه كلما تكرر هذا المشهد دلّ على أن الأمر الذي يلاحقه لم يُحسم بعد في داخله. فلا بأس بأن يخصص وقتاً هادئاً لكتابة ما يشغله وترتيب أولوياته. وعادة ما يتلاشى الحلم بعد أن تهدأ النفس وتجد لما يشغلها حلاً. وهذا من أبسط ما يُنصح به في هذا الباب، ولا يتطلب أكثر من صدق مع النفس وقليل من التنظيم.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ، ولا يصح أن يُتخذ سنداً لقرار حقيقي أو سبباً لخوف أو سوء ظن. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله. وما يخفيه الغد من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده.
