قد يرى النائم قرداً داخل سيارته، يجلس بجانبه أو في المقعد الخلفي أو يقفز على لوحة القيادة ويعبث بالأزرار. وهي صورة تبعث على الدهشة وربما التوتر، لأن السيارة موضع يحتاج إلى تركيز. وكما في كل أبواب الرؤى فالتفسير رمزي لا حرفي، وظهور القرد في السيارة لا يخبر عن حادث ولا عن سفر ولا عن شيء مقبل، وإنما هو صورة تحتمل معاني عامة تتصل بالتنقل والتركيز والمشاغل المصاحبة، نعرضها بتأنٍّ وتحفظ.
السيارة في الرؤى ترمز عادة إلى وسيلة الإنسان في سعيه وتنقله وإدارة مسيره في الحياة، فهي تمثل ما يتحكم به من أمور حياته. وإذا ظهر فيها القرد الذي يرمز إلى المشاغبة والتشويش والحركة، فقد تُقرأ الصورة على أنها أمر يشغل الرائي أثناء سعيه ويشتت تركيزه، أو صحبة مرحة في رحلة. وقد تعبّر عن شعور بأن شيئاً يتدخل في مسيرة الرائي وطريقه، فيحتاج إلى أن يمسك مقوده بثبات وهدوء.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن المركب في المنام يدل على حال صاحبه ومسعاه، وأن ما يدخل عليه يدل على ما يطرأ على ذلك المسعى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الراكب مع صاحب المركب قد يدل على صحبة أو شراكة في السير. وقد اختلف المفسرون في ذلك، وبعضهم تحفظ كثيراً، فتؤخذ أقوالهم على أنها تأمل في الأحوال، ولا تُتخذ نذيراً ولا بشارة.
ويتغير المعنى بتغير موضع القرد وسلوكه. فإن كان في المقعد الخلفي هادئاً فقد يرمز إلى مشغل بسيط لا يؤثر، وإن كان بجانب السائق يعبث فقد يرمز إلى تشويش مباشر على القرار، وإن كان يمسك المقود فقد يرمز إلى فقدان السيطرة بشكل مجازي، فيدعو الرائي إلى استعادة زمام أموره. وإن كان القرد مرحاً يضحك الركاب فقد يرمز إلى رحلة طيبة. وشعور الرائي هو الحكم الأول.
وللرجل قد يكون المشهد انعكاساً لضغوط التنقل والعمل وكثرة المهام أثناء القيادة، وقد يدعوه إلى الانتباه الفعلي في الطريق وعدم استخدام الهاتف أثناء السير. وللتاجر الذي يكثر الأسفار قد يعبّر عن تعب الطريق وكثرة الأعباء. ولا يصح أن يُبنى على المنام قرار بشأن سفر أو تأجيله، فالسفر يُقرَّر بالمصلحة والتخطيط، والله يحفظ المسافرين.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط المشهد بإيصال الأولاد وتعب الطرق وفوضى الصغار في المقعد الخلفي، وهو مشهد مألوف قد يتحول إلى قرد في الحلم. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن تعلم القيادة أو توتر الرحلات. وللحامل قد يرتبط بمخاوف السفر والتنقل، ولا تجد في المنام سبباً لتغيير مواعيدها الطبية. فالمتابعة الصحية يحكمها الطبيب لا الأحلام.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع السيارة وحالتها، فالفخمة غير المتواضعة، والجديدة غير القديمة، وكلها تلوّن المعنى. وهل كانت متحركة أم واقفة؟ فالمتحركة تضيف عنصر التوتر، والواقفة تهوّنه. وهل كان القرد يفتح النوافذ أو يطل منها؟ وهل خرج منها في النهاية؟ فالخروج يهوّن المعنى، والبقاء يلح عليه. وكلها ملامح ظنية للتأمل، وليست أدلة قاطعة.
وعلى الجانب النفسي والعملي قد يتأمل الرائي: ما الذي يشتتني وأنا في طريقي؟ هل أركّز في أهدافي أم تشتتني مشاغل جانبية؟ فالقرد في السيارة قد يذكر بأن التركيز نعمة، وأن الاستعداد للسفر بترتيب الأغراض وتفقد المركبة وقراءة دعاء الركوب من أسباب السكينة. وفي القيادة الفعلية ينبغي الانتباه الكامل وعدم الانشغال بما يلهي، فالسلامة مسؤولية.
ومن الملاحظ أن مشاهد السيارات تكثر في أحلام من يقضون وقتاً طويلاً على الطرق، وأن ما يدخل فيها من أشياء غريبة يكون غالباً صدى لمواقف أو أخبار أو أفلام. فلا ينبغي أن تُحمَّل الرؤية أكثر من ذلك. ومن الحكمة أن يتفقد الإنسان مركبته ويهتم بصيانتها المعتادة، ثم يتوكل على الله، دون أن يجعل من حلم عابر سبباً للخوف من الطرق.
وقد يكون في الصورة جانب فكاهي ظريف، فتخيل قرداً يقود سيارة أو يضغط على المنبه صورة تنتمي إلى الرسوم المتحركة أكثر من الواقع. فإذا استيقظ الرائي وابتسم فقد أدى المنام مهمته. وليأخذ بالأسباب في يقظته، وليحرص على أوقات الراحة قبل السفر الطويل، وليدعُ الله بالسلامة، وليترك الباقي لحكمته سبحانه.
وفي الختام نؤكد أن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في السفر أو القيادة. والغيب علمه عند الله وحده، وهو الحافظ للراكبين والسائرين. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعُ بالسلامة في طريقه، وليمضِ إلى وجهته مطمئناً.
