قد يرى النائم قرداً يتجول في الشارع بين الناس والسيارات، يقفز على الأرصفة ويقترب من المارة ويبتعد. وهذه الصورة غريبة في المألوف، ولذلك تترك أثراً من الدهشة. ويجب أن نذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، فظهور القرد في الشارع لا يعني حدثاً يقع في الطرقات، وإنما هو مشهد قد يعبّر عن معان عامة تتصل بالحياة خارج البيت وعلاقة الرائي بمحيطه، نعرضها هنا بتأنٍّ وهدوء وتحفظ.
الشارع في الرؤى يرمز غالباً إلى الحياة العامة والاحتكاك بالناس والطريق الذي يسلكه الإنسان في معاشه. فإذا ظهر فيه القرد، قد تُقرأ الصورة على أنها أمر خفيف الظل مشاغب يظهر في الحياة العامة، أو حضور يلفت أنظار الناس ويشغلهم عن أمر مهم. وقد تعبّر عن أحاديث الناس وتقليدهم لبعضهم في المظهر والكلام، أو عن موجة عابرة في المجتمع المحيط، فالشارع مرآة صغيرة لما يشغل الناس.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الحيوان في الطريق قد يدل على أمر يعترض سبيل الرائي في سعيه أو حركته، وأن حاله يحدد جهة المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يظهر في الطريق قد يرمز إلى ما يلقاه الإنسان في خروجه إلى الناس. وقد اختلف المفسرون في ذلك، ولم يضعوا قاعدة ثابتة، فتؤخذ أقوالهم على أنها اجتهادات في فهم الاحتكاك بالمحيط، لا أحكاماً.
ويتغير المعنى بحسب سلوك القرد في الشارع. فإن كان يتجول بهدوء فقد يرمز إلى أمر عابر لا يؤثر، وإن كان يقطع الطريق أمام الرائي فقد يعبّر عن عارض بسيط يؤخر خطوه، وإن كان يلاحق المارة فقد يرمز إلى حالة مشاغبة عامة. وإن كان الناس يضحكون فقد يدل على أجواء مرحة، وإن كانوا يفزعون فقد يعكس قلقاً عاماً. وكذلك مشاعر الرائي، فهي أهم دليل على وجهة الصورة.
وللرجل قد يكون المشهد انعكاساً لزحام الحياة وتنقله بين الأماكن وانشغاله بالناس، أو لقلق من الطريق وما فيه. وللتاجر قد يرتبط بالأسواق والمحلات القريبة من الشارع وما يحدث فيها من حركة، ولا يُبنى على ذلك قرار. وقد يكون صدى لمشهد حقيقي رآه في يومه كحيوان أليف أو عرض ترفيهي، فيتحول إلى صورة في المنام، وهذا هو الأقرب في كثير من الأحيان.
وللمرأة المتزوجة قد يعبّر المشهد عن مشاغل الخروج والتسوق وإيصال الأطفال وما يرافق ذلك من زحام، وللفتاة غير المتزوجة قد يرتبط بنظرات الناس أو بالاحتكاك الاجتماعي في الدراسة والعمل. وللحامل قد يرتبط بالقلق من الخروج والازدحام والتعب. ولا ينبغي أن يُفهم من المنام أن خطراً ينتظر في الطريق، فهو رمز نفسي لا تحذير فعلي.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع الشارع: هل كان مزدحماً أم خالياً؟ فالمزدحم يضيف إلى الصورة معنى الضجيج، والخالي معنى الوحدة والغرابة. وهل كان القرد يسير مع أحد أم وحده؟ فإن كان مع شخص قد يرمز إلى ألفة، وإن كان وحده قد يرمز إلى غرابة. وهل كان في الليل أم النهار؟ وهل كان قريباً من بيت الرائي؟ فالقرب يضفي صبغة شخصية على المعنى. وكلها ملامح ظنية للتأمل.
وعلى المستوى النفسي يمكن أن يسأل الرائي نفسه: كيف أتعامل مع ما يعترض طريقي من مشاغب صغيرة؟ وهل أتأثر بما يفعله الناس من حولي أكثر من اللازم؟ فالقرد في الشارع قد يذكر بأن الحياة العامة مليئة بالمفاجآت الخفيفة، وأن خير ما يفعله العاقل أن يمضي في طريقه بثبات وابتسامة، فلا ينشغل بكل ما يمر. ومن الحكمة أن يحفظ الإنسان أغراضه وهو خارج بيته بلا هوس.
ومن اللطيف أن الشارع مكان تُرى فيه عادة الحيوانات الأليفة والمتجولة، ولذلك فإن اجتماع القرد معه في الحلم قد يعكس مجرد صور اجتمعت في الذهن من مشاهد متفرقة. ولا يصح أن يُعطى أكثر من حجمه، فالحلم ينسج مشاهد من مواد متناثرة في الذاكرة، ويخرجها مرة في صورة غريبة ومرة في صورة مألوفة. والأنسب أن يبتسم الرائي لها ثم ينتقل إلى شؤونه.
وقد يكون في المشهد جانب اجتماعي لطيف، فالناس يتحلقون حول الأمر الغريب ويتبادلون الضحك والتعليق، وهذه من مظاهر الألفة في الشارع. فمن رأى ذلك فلعله يذكر نفسه بأهمية التواصل الاجتماعي الطيب، وبأن الحياة ليست أوراقاً وحسابات فحسب، بل فيها لحظات خفيفة مع الناس تستحق أن تُعاش بصدق وبشاشة.
وفي الختام نؤكد أن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار في الطريق أو السفر أو العمل. والغيب علمه عند الله وحده، وهو الحافظ للمسافرين والمقيمين. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعُ بالسلامة في خروجه ودخوله، وليمضِ في طريقه مطمئناً.
