من المشاهد المألوفة في الأحلام أن يرى النائم قرداً يقفز من مكان إلى آخر بخفة ورشاقة، وقد يقفز عليه أو حوله أو بين أغصان وأسطح. وهذه الرؤية تثير شعوراً مختلطاً بين الإعجاب بالرشاقة والانزعاج من كثرة الحركة. وكما هو الحال مع كل الرؤى، فالتفسير رمزي لا حرفي، والقفز في المنام لا يعني حدثاً مقبلاً بعينه، وإنما يُنظر إليه كإشارة إلى حالة عامة تحتمل أكثر من قراءة، نتناولها بتأنٍّ.
القفز من أبرز صفات القرد، وهو يدل في اللغة الرمزية على الانتقال السريع من حال إلى حال، ومن أمر إلى آخر دون استقرار طويل. ولذلك يُقرأ القرد القافز عند بعض المفسرين على أنه صورة للنشاط الزائد أو التنقل بين الاهتمامات أو الأعمال بلا ثبات، كما قد يعبّر عن خفة في الحركة والتصرف. وهذا لا ينطبق على شخص بعينه، بل هو وصف لحالة قد يعيشها الرائي نفسه أو يراها في محيطه.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن كثرة حركة الحيوان في المنام قد تدل على كثرة الأحوال المتقلبة وعدم الثبات على أمر واحد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحركة السريعة المتواصلة قد تشير إلى انشغال وإلحاح وعدم قرار. وقد اختلف المفسرون في هذه الدلالات، ومنهم من رأى أن القفز المنتظم الرشيق قد يدل على نشاط حسن، فالأمر موكول إلى هيئة الحركة وسياقها.
ويتغير المعنى بتغير جهة القفز. فإن كان القرد يقفز بعيداً عن الرائي فقد يرمز إلى أمر يمر ويتجاوزه، وإن كان يقفز نحوه فقد يدل على أمر يقتحم عليه انتباهه. وإن كان يقفز من شجرة إلى أخرى بسلاسة فالمعنى أقرب إلى الرشاقة والتنقل المحكوم، وإن كان يقفز بتخبط فقد يعكس اضطراباً. وكذلك المكان، فالقفز على الأسطح غيره على الأرض، وكلها تفاصيل تغير الصورة.
وللرجل قد يكون القرد القافز إشارة إلى كثرة تنقله بين الأعمال أو المشروعات، فيحتاج إلى أن يختار ويثبت، أو إلى مرحلة نشاط وحركة في حياته المهنية. وللتاجر قد يشير إلى تقلب السوق وسرعة تغير الأحوال، ولا يُبنى على ذلك قرار تجاري، فالتخطيط والحساب هما المرجع. وقد يكون القفز في المنام مجرد انعكاس لانشغال الذهن بالتنقل بين المهام.
وللمرأة المتزوجة قد يرمز القرد القافز إلى نشاط البيت وحركة الأطفال وكثرة المهام التي تتوزع عليها في اليوم. وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس حيوية مرحلة الشباب وكثرة الاهتمامات المتنقلة، فتحتاج إلى بوصلة تحفظ لها اتجاهها. وللحامل قد يكون صدى لما تشعر به من حركة وترقب. وهذه كلها قراءات احتمالية يغلب عليها الطابع الودي.
ومن التفاصيل الدقيقة ارتفاع القفزة وطريقتها، فالقفزة العالية الرشيقة أقرب إلى النشاط، والقفزة القلقة المتكررة أقرب إلى التوتر. وهل كان القفز لعباً أم هروباً؟ فاللعب يدل على المرح، والهروب يدل على الخوف من أمر ما. وهل كان القرد يسقط أم يستقر؟ فالاستقرار بعد القفز قد يوحي بأن التنقل ينتهي إلى حال، والسقوط قد يوحي بضرورة الحذر من التسرع. وكل ذلك من التأمل لا الجزم.
وعلى المستوى النفسي قد يسأل الرائي نفسه: هل أقفز بين الأهداف دون إنجاز؟ وهل أحتاج إلى تركيز أكبر على أمر واحد؟ فالقرد القافز قد يكون دعوة لطيفة إلى التمهل وترتيب الأولويات، وإلى منح كل مهمة وقتها. وفي الجهة الأخرى قد يكون تشجيعاً على المرونة وخفة الحركة، فالإنسان قد يحتاج أحياناً إلى القفز فوق العقبات الصغيرة. ومن حفظ وقته وأغراضه وابتسم لقفزات الحياة فقد أحسن التدبير.
ومما يلاحظ أن أحلام الحركة السريعة تكثر عند من قضى يوماً حافلاً بالتنقل أو شاهد مقاطع سريعة الإيقاع قبل نومه. فالعقل يعيد في الليل ما رأى في النهار بصور مضخمة ومتقافزة. ولذلك فإن تقليل المحفزات قبل النوم قد يهدئ هذا النوع من الأحلام، وهو أنفع من البحث الطويل عن رموزها. فالنوم الهادئ يبدأ من ليل هادئ، والله سبحانه جعل الليل سكناً للراحة.
ومن زاوية أخرى يمكن أن يُنظر إلى القفز بوصفه مهارة لا عيباً، فالقرد يقفز لأنه يعرف كيف يصل إلى حيث يريد دون أن يسلك الطريق الطويل. وقد يرمز ذلك في بعض القراءات إلى القدرة على تجاوز العقبات بخفة وذكاء، أو إلى استغلال الفرص السانحة بحركة سريعة. غير أن الحكمة تقتضي ألا يتحول هذا إلى استعجال يضيّع الأصول، فالإنسان يحتاج إلى سرعة في موضعها وتأنٍّ في موضعه. ومن جمع بين المرونة والثبات كان أقرب إلى التوفيق في شؤونه، والله يعين من أحسن التدبير.
وفي الختام نقول إن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يكون مرجعاً لأي قرار حقيقي في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه، وليست الرؤى مفاتيح له. فمن رأى ما يكره فليلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بربه، ولا يشغل قلبه بما لا يعلمه إلا الله، وليمضِ في عمله مطمئناً مستعيناً به.
