قد يرى النائم قرداً يبدو كأنه يضحك أو يكشر عن أسنانه بما يشبه الابتسامة، وربما سمع ضحكاً يخرج منه فيعجب من المشهد. وهي رؤية طريفة تترك أثراً غريباً في النفس، لأن الضحك صفة إنسانية في الغالب. وبما أن التفسير رمزي لا حرفي، فلا يصح أن يُحمل هذا المشهد على غير ظاهره الرمزي، ولا أن يُجعل نذيراً أو بشرى. وإنما نعرض فيما يلي بعض ما قيل عن معانيه بروح هادئة وتحفظ.
الضحك في الرؤى يتفاوت معناه بحسب نوعه، فالضحك الصافي يدل عند بعضهم على سرور، والضحك المصحوب بسخرية قد يدل على استخفاف أو استهزاء. وإذا صدر من قرد، فإن ذلك يمزج بين خفة الحيوان وعفوية الضحك، فتأتي الصورة أقرب إلى مرح طريف أو سخرية لطيفة غير جارحة. وقد يرمز كذلك إلى موقف يُضحك منه الرائي نفسه أو يضحك فيه الآخرون على أمر صغير، وهو معنى يخلو من الجدية في الغالب.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الضحك في المنام يدل أحياناً على همّ يعقبه أو على فرح عارض، وأن الحكم متوقف على ما يصاحبه من أحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ضحك الحيوان قد يدل على استهانة أو استخفاف من جهة ما. وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافاً واضحاً، ومنهم من جعله علامة على الفرح، فلا يُعول على قول بعينه، وتُقرأ هذه الأقوال على أنها اجتهادات في فهم المشاعر.
ويتغير المعنى بتغير صفة الضحك وتأثيره في الرائي. فإذا شعر الرائي بالمرح وشاركه الضحك فالمعنى أقرب إلى انشراح وأنس، وإذا شعر بالانزعاج أو كأن الضحك موجه إليه فقد يعكس حساسية داخلية من النقد أو السخرية. وإن كان القرد يضحك وحده فقد يدل على أمر يرى فيه الرائي طرافة خاصة، وإن كان يضحك مع قرود أخرى فقد يدل على أجواء جماعية خفيفة. فالمشاعر هنا أهم من الصورة.
وللرجل قد يشير ضحك القرد إلى مواقف مرحة في العمل أو بين الأصدقاء، أو إلى خوف خفي من أن يُسخر منه فيما يفعل، وهذا قد يكون انعكاساً لقلقه من نظرة الآخرين. والأولى أن يتعامل مع ذلك بثقة هادئة. وللتاجر قد يكون تذكيراً بأن يعتني بسمعته وأسلوب تعامله، ولا يُجعل المنام أساساً لتغيير في خططه، فالقرارات تُبنى على المعطيات الواقعية.
وللمرأة المتزوجة قد يعبّر القرد الضاحك عن أجواء ضحك وبهجة في البيت أو عن ميل إلى الخفة في الحديث. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى مواقف طريفة بين الصديقات أو إلى حساسية من تعليقات الناس، فتحتاج إلى مزيد من الثقة بنفسها. وللحامل قد يكون الأمر مجرد انعكاس للمزاج المتقلب الطبيعي في الحمل، ولا يحمل أي دلالة على المستقبل.
ومن التفاصيل التي تدقق القراءة شكل الضحك: هل كان واسعاً مرحاً أم مكشراً حاداً؟ فالأول أقرب إلى المرح، والثاني أقرب إلى التوتر. وهل كان الصوت مبهجاً أم مزعجاً؟ وهل كان القرد قريباً أم بعيداً؟ فالقريب قد يدل على أمر يمس الرائي، والبعيد على أمر عابر. وكذلك هل ينتهي المشهد بهدوء أم بضجيج؟ وهذه الملاحظات تعين على التأمل ولا تصلح للجزم.
وعلى المستوى النفسي قد يسأل الرائي نفسه: هل أحتاج إلى مزيد من الضحك في أيامي؟ وهل أتأثر كثيراً بما يقوله الناس؟ فالقدرة على الضحك من الذات علامة صحة نفسية، وعدم الانكسار أمام السخرية علامة قوة. ومن الحكمة أن يحافظ الإنسان على الضحك الطيب، وأن يتجنب الضحك الذي يؤذي غيره. وليحفظ أغراضه ومواعيده بهدوء، فالمزاج الخفيف لا يتعارض مع النظام.
ومن اللطيف أن الأحلام التي فيها ضحك كثيراً ما تتبعها ابتسامة عند الاستيقاظ، وهذا في حد ذاته خير. فإن شعرت بخفة بعدها فاحمد الله على نعمة المزاج الجيد. وإن شعرت بحيرة فاعلم أن الضحك في الحلم لا يعني أن أحداً يسخر منك فعلاً. فكل ما في الأمر صورة ذهنية طريفة ربما استقت مادتها من مقطع أو حديث مرّ بك في النهار، وليس وراءها سر.
وينبغي أن نفرق بين الضحك الذي يشبه الفرح وبين الكشرة التي تشبه الضحك، فكثير من القرود في الواقع تكشف عن أسنانها لأسباب لا علاقة لها بالمرح، لكن العقل البشري يفسرها ضحكاً. وكذلك في الحلم، قد يخلط الذهن بين ملامح الوجه وبين المشاعر، فيرى ضحكاً حيث لا ضحك. ومن ثم فلا يصح أن يبني الرائي على هذا المشهد أحكاماً حاسمة، لأنه في الغالب انطباع ذهني غير دقيق. وخير ما يفعله أن يترك التحليل الطويل، وأن يحافظ على سكينته وحسن ظنه بالناس وبربه.
وفي الختام نؤكد أن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي أو موقف من أحد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُكشف خفايا القلوب والأقدار بالمنامات. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعُ بالخير والسكينة، وليترك الوساوس ويمضِ في طريقه مبتسماً.
