قد يرى الإنسان في منامه قرداً يقفز نحو النافذة ويخرج منها، يتسلق الإطار ثم يختفي في الخارج، أو يدخل من النافذة نفسها ثم يخرج. وهذا المشهد يتسق مع الصورة المعروفة عن القرد المتسلق الذي لا يعجزه المنفذ الضيق. وقد يثير في الرائي مشاعر متباينة بين الارتياح لخروجه والفضول لمعرفة وجهته. والتفسير فيه رمزي لا حرفي، فالنافذة مجرد مكان في صورة الحلم، لا تدل على حدث بعينه.
والمعنى العام للقرد في الرموز يدور حول خفة الحركة والمرح والعبث والتقليد. أما النافذة فهي في عموم الأحلام صورة للانفتاح على الخارج وللفرصة والتنفس وتغير الأجواء. فإذا خرج القرد منها فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة لانصراف شاغل كان يزعج الرائي، أو لتخفف من حال من العبث والفوضى، أو لانتقال من جو إلى جو. وفي ذلك معنى مريح في الغالب، لأن الخروج يوحي بالتخفف.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على صاحب خفة وعبث وقلة جدية، وأن خروج ما يزعج من المكان قد يُحمل عند بعضهم على زوال أمر. وذهب بعض المفسرين إلى أن النافذة قد تدل على المنفذ والانفتاح بحسب سياقها. واختلف المفسرون في ذلك اختلافاً بيناً، ولا يصح الجزم. وكل ذلك يخص السلوك والأحوال العامة، ولا يجوز أن يُنسب القرد إلى أحد ولا أن يُقال إن أحداً سيخرج من حياة أحد بناء على هذا الحلم.
ويتغير المعنى بتغير سلوك القرد وحال النافذة. فإن كان يخرج بهدوء وسلاسة فالمعنى أقرب إلى انصراف لطيف. وإن كان يخرج مسرعاً وهو يحمل شيئاً من البيت فقد يتصل بقلق من فقد أمر. وإن كان يخرج ثم يعود فهو أقرب إلى شاغل متكرر. وإن كانت النافذة عالية فالمعنى أقرب إلى مسافة بعيدة، وإن كانت منخفضة فهو أقرب إلى أمر قريب. وإن كان الجو في الخارج مشرقاً فالأفق أرحب. وللمكان والضوء أثر في الدلالة.
وفي حال المرأة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بانتهاء مرحلة من القلق أو بتوقع تغير في أجواء حياتها، دون جزم. والمتزوجة قد يتصل عندها بانتهاء فوضى مؤقتة في البيت أو هدوء بعد صخب. والحامل قد يتصل عندها بانفراج بعد توتر أو براحة نفسية. والرجل قد يتصل عنده بزوال ضغط عمل أو انتهاء مهمة. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع، وإنما تُذكر من باب التأمل.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي شعوره عند خروج القرد: هل ارتاح أم حزن أم شعر بالخوف على بيته. فالارتياح يدل على رغبة في التخفف. والحزن قد يدل على تعلق بما كان. والخوف قد يدل على حرص على ما يملك. كما ينظر هل حاول إغلاق النافذة أم تركها مفتوحة، فإغلاقها قد يدل على رغبة في الحماية، وتركها مفتوحة على استعداد للتغير. ومن الدقائق أن ينظر هل رآه يبتعد أم اختفى فجأة.
ومن الناحية العملية قد يكون الحلم تذكيراً بأهمية فتح النوافذ حقيقة ومجازاً، أي تجديد الهواء في البيت وتجديد الأجواء في النفس. فمن أحس بثقل في صدره فليخرج إلى الهواء الطلق وليمارس رياضة خفيفة وليجالس أصحاباً طيبين. ويحسن ترتيب البيت وتهويته وإضاءته، فإن للمكان أثراً على المزاج. وهذه كلها أسباب بسيطة تُحسّن الحال وتقلل الأحلام المزعجة.
ومن الجانب النفسي فإن مشاهد الخروج من النوافذ والأبواب كثيراً ما ترتبط بإحساس الإنسان بالحرية أو بالحاجة إليها. والقرد الذي يخرج قد يكون صورة للجزء المنطلق في النفس الذي يريد أن يتحرر من القيود. ولا بأس بذلك، فالإنسان يحتاج إلى مساحة من الانطلاق المباح. ويمكنه أن يلبيها بهواية أو رحلة قصيرة أو لقاء مع الأحبة. فهذا يعيد التوازن إلى النفس.
وليتذكر الرائي أن ما يخرج من النافذة في الحلم لا يخرج من حياته حقيقة، وأن الأمور لا تجري بالأحلام. فإذا كان في الحلم شيء من القلق فليدعُ الله أن يحفظ بيته وأهله ويصلح أحواله. وفي الدعاء طمأنينة تفوق كل تفسير. ومن توكل على ربه أغناه عن التوجس.
ومن اللطائف أن النوافذ في الأحلام كثيراً ما تكون عنوان فضول الإنسان إلى ما وراء المألوف، والقرد الفضولي بطبعه يناسب هذا الدور. فربما كان الحلم تعبيراً عن فضول الرائي وحبه للاستكشاف. وهذا فضول طيب إذا وُجه إلى العلم النافع. فلا بأس أن يشجع نفسه على التعلم وتجربة الجديد في حدود الأدب والحكمة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله أن يفتح له أبواب الخير. وأما ما يحمله المستقبل فمن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
