يحدث أن يرى النائم في منامه جماعة من القرود تملأ المكان وتتحرك في كل اتجاه، فيستيقظ وفي ذهنه صورة الازدحام والضجيج. وهذه الرؤية من الرؤى الملفتة التي يكثر السؤال عنها، لأن الكثرة تضاعف أثر الرمز وتجعله أشد حضوراً. ومع ذلك فالتفسير رمزي لا حرفي، ولا ينبغي أن يُفهم من الرؤية أن هناك أمراً بعينه سيقع. فهي في الغالب صورة تعكس إحساساً داخلياً أو أجواء عامة، وسنعرض فيما يلي ما قاله بعض المفسرين بروح هادئة بعيدة عن التخويف.
العدد في الرؤى يضيف إلى الرمز معنى الكثافة، فالقرد الواحد قد يدل على إلحاح محدود، أما الجماعة فقد تدل على زحمة أمور صغيرة تتداخل وتشتت الذهن. فالمرح حين يتكاثر يصبح ضوضاء، والتقليد حين يتعدد يصبح تيارات متشابهة يصعب التمييز بينها. ولذلك يُنظر إلى القرود الكثيرة أحياناً على أنها صورة لحياة مزدحمة بالمشاغل والأحاديث والمقارنات، أو لمجتمع صغير تكثر فيه المحاكاة وقلّ فيه الإبداع الأصيل.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن اجتماع الحيوانات في المنام قد يدل على اجتماع أصحاب طباع متقاربة حول الرائي، وأن النظر إلى سلوكها يكشف طبيعة هذا الاجتماع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن كثرة الحيوان قد تشير إلى كثرة الهموم أو المشاغل الصغيرة. وقد اختلف المفسرون في هذا الباب، ولم يتفقوا على تفصيل واحد، ولذلك تُقرأ هذه الأقوال بوصفها اجتهادات في فهم السلوك لا أحكاماً.
ويختلف المعنى باختلاف ما تفعله القرود وأين تكون. فإن كانت تلعب بعيداً بانسجام فالأمر أقرب إلى أجواء مرح واجتماع خفيف، وإن كانت تصرخ وتتدافع فهو أقرب إلى ضجيج وتشويش. وإن كانت تحاصر الرائي فقد يعكس ذلك إحساساً بكثرة المطالب عليه، وإن كانت تتجاهله فقد يدل على أن الزحام من حوله لا يخصه. والمكان كذلك، فالقرود في الغابة غيرها في البيت أو الشارع، وكل ذلك يضيف دلالة جديدة.
وللرجل قد تكون الرؤية إشارة إلى بيئة عمل كثيرة الحركة والأحاديث، أو إلى مجموعة من الأصدقاء يغلب عليهم المزاح، فيحتاج إلى أن يحفظ وقته وتركيزه. وللتاجر قد تعبّر عن سوق مزدحم ومنافسة كثيفة تتطلب تنظيماً وهدوءاً، وهذا احتمال لا تُبنى عليه صفقة ولا حساب. فالتجارة تُدار بالأرقام والتخطيط، والمنام أقصى ما يفعله أن يذكّر بأهمية الانتباه.
وللمرأة المتزوجة قد تدل القرود الكثيرة على زحمة البيت بما فيه من أصوات ومهام وأطفال، وقد تعكس تعب اليوم الطويل أكثر مما تنبئ بشيء. وللفتاة غير المتزوجة قد تشير إلى كثرة الأحاديث حولها أو تعدد الآراء التي تتلقاها، فتحتاج إلى أن تسمع لنفسها أولاً. وللحامل قد تأتي الرؤية في أيام الإرهاق والتفكير الكثير، فلا يصح أن يُستنتج منها شيء عن حملها.
ومن التفاصيل التي تدقق القراءة اتجاه القرود وعلاقتها بالرائي. هل كانت تتجه إليه أم تبتعد عنه؟ وهل كانت متشابهة في الشكل واللون أم مختلفة؟ فالتشابه قد يدل على تيار واحد من التقليد، والاختلاف قد يدل على تنوع المشاغل. وإن كان بينها قرد يخالف البقية في سلوكه فقد يرمز إلى أمر مختلف يستحق الانتباه وسط الزحام، وكل ذلك من باب التخمين اللطيف.
وعلى الجانب النفسي قد يسأل الرائي نفسه: هل حياتي مزدحمة أكثر مما ينبغي؟ وهل أستطيع أن أخلق لنفسي ساعة هدوء كل يوم؟ فالإنسان الذي تتكاثر عليه المهام يحتاج إلى ترتيب الأولويات، وتقليل المصادر التي تشتته، ومنح نفسه لحظات صمت. ومن الحكمة أن يحفظ المرء متاعه ومواعيده بانتظام، وأن يبتسم لفوضى الأيام الصغيرة ولا يجعلها همّاً دائماً.
ومن الجوانب التي يغفل عنها كثيرون في رؤية الجماعات أن الحلم قد يستعير صورة الكثرة ليعبّر عن شعور داخلي لا عن واقع خارجي. فالإنسان الذي يحمل في رأسه عشرات الأفكار والمهام قد يرى في منامه عشرات القرود تتقافز، وكأن عقله يرسم له لوحة عن حاله. وعليه فقد لا يكون للرؤية علاقة بأشخاص حقيقيين ولا بأحداث قادمة، بل هي مرآة صغيرة لانشغال الذهن. ومن فهم هذا المعنى خف عنه الوسواس، وتوجه إلى ترتيب يومه وتخفيف أحماله بدلاً من البحث عن علامات في كل زاوية. وهذا من أنفع ما يستفيده المرء من مثل هذه الرؤى، لأنه يحوّل المنام إلى دعوة لحسن تدبير النفس.
وفي الختام نؤكد أن كل هذه المعاني اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز بحال أن يُبنى عليه قرار يمس المال أو العمل أو العلاقات. وعلم الغيب عند الله وحده، لا يعلمه ملك مقرب ولا مفسر ماهر. فمن رأى ما أزعجه فليدع الله بالخير ويحسن الظن به، ثم يمضي في شأنه مطمئناً، فإن اللطف الإلهي أوسع من كل ما نتصوره.
