من الأحلام التي يرويها كثير من الناس أن يروا قرداً يدخل بيتهم أو غرفتهم فيعبث بما فيها من أغراض، يقلب الأدراج ويبعثر الأشياء ويقلب ما وجده أمامه. وغالباً ما يستيقظ صاحب الحلم وهو يشعر ببعض الانزعاج أو بشيء من الدهشة والضحك. وهذه الرؤية رمزية لا حرفية، فهي لا تدل على حدث بعينه، وإنما هي صورة قد تحمل معنى يتعلق بالترتيب والفوضى والانشغال. ولذلك يحسن أن نتناولها بهدوء وبلا مبالغة.
وفي المعنى العام للقرد أنه رمز للعبث وخفة الحركة والفضول الذي لا يستقر. فإذا تعلق العبث بالأغراض الخاصة بالرائي، فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة لما يشتت الانتباه ويزعج النظام في حياته. وقد يكون ذلك مشاغل صغيرة تتراكم، أو تدخلاً في أمور خاصة، أو إحساساً بأن شيئاً ما غير مرتب في يومه. والأغراض في المنام قد تمثل ما يملكه الإنسان من وقت وجهد وعلاقات، فتبعثرها صورة لتبعثر الاهتمام لا أكثر.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على صاحب خفة وعبث وقلة جدية في الأمر، وأن ما يأتي من جهته قد يكون إزعاجاً قليلاً أو منفعة ضعيفة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة تتصل بالحيلة والتقليد. وقد اختلف المفسرون اختلافاً بيناً في هذه الأقوال، ولا يصح الجزم بواحد منها. وهي كلها تتعلق بالسلوك والصفات لا بأشخاص أو فئات، فلا ينبغي أن يُسقط الرائي هذه المعاني على أحد من أقاربه أو معارفه.
ويتغير التأويل بحسب نوع الأغراض ومكانها. فإن كان العبث بأوراق ومستندات فقد يرتبط بقلق من أمور العمل أو الدراسة والانشغال بالمواعيد. وإن كان بملابس وأمتعة شخصية فقد يرتبط بالخصوصية وحدودها. وإن كان بطعام ومطبخ فقد يُحمل على شؤون البيت اليومية. وإن كان القرد يعبث دون أن يتلف شيئاً فهو أقرب إلى فوضى بريئة، وإن أتلف وأفسد فهو أقرب إلى انزعاج أشد. ولحال الرائي النفسية أثر كبير في هذا كله.
وإذا كان الرائي امرأة غير متزوجة فقد تُحمل الرؤية على انشغالها بترتيب شؤونها أو بتدخل الآخرين في أمورها. وإذا كانت متزوجة فقد ترتبط بتعب أعمال البيت وعبث الأطفال بأغراضه. والحامل قد تعبر الرؤية عندها عن رغبتها في تجهيز البيت وترتيبه استعداداً للمولود. والرجل قد يرى فيها صورة لتراكم أعباء الدراسة أو العمل. وكل ذلك قراءات مرنة تختلف من شخص إلى آخر.
ومن التفاصيل التي تُنظر: هل عاد الرائي فرتب الأغراض أم تركها، وهل طرد القرد أم تسلى بحركاته. فإن رتب الأغراض فهذا يُقرأ على أن لديه قدرة على استعادة النظام. وإن طرد القرد فهو يرفض الفوضى. وإن ضحك فهو أقرب إلى تقبل أن الحياة لا تسير دائماً على نسق واحد. كما يُنظر في ما أخذه القرد وهل هو غرض ثمين أم تافه، فالثمين يرتبط بما يعزّ على الرائي، والتافه بما لا يستحق الاهتمام.
ومن الناحية العملية، قد يكون الحلم دعوة إلى التخفف من الفوضى المادية والذهنية. فترتيب المكان وجدولة المهام وكتابة قائمة بأهم الأمور تساعد على صفاء الذهن. ويحسن ألا يترك الإنسان أموراً صغيرة معلقة حتى تتراكم وتزعجه. وإن كان الانزعاج من تدخل الآخرين فالأولى أن يضع حدوداً هادئة محترمة بلا خصام. وهذا كله من باب التدبير العادي الذي ينفع صاحبه سواء رأى حلماً أم لم يره.
وفي هذه الرؤية جانب لطيف يتمثل في أن القرد، مهما عبث، يبقى في الخيال حيواناً مرحاً غير شرير. فلا ينبغي أن يتحول الأمر إلى هاجس يثقل الرائي، بل يمكنه أن يضحك من الصورة ويمضي في يومه. وكثيراً ما تنتهي هذه الأحلام بمجرد تفريغ الذهن من الانشغالات الصغيرة. ولو عاد الحلم فليراجع الرائي نمط حياته وراحته ومشاهداته قبل النوم.
ومما يُضاف في هذا الباب أن العبث بالأغراض في الحلم قد يُفهم على أنه حاجة إلى حفظ الخصوصية، فالإنسان يحب أن تكون أشياؤه في مكانها لا يمسها إلا من يأذن. فإذا رأى من يقتحم هذا الحيز ولو في صورة حيوان، أحس بنوع من الانزعاج يشبه ما يشعر به في الواقع حين يتجاوز أحد حدوده. وهذا لا يعني وجود شخص معين يفعل ذلك، بل هو شعور عام يمكن أن يظهر بأشكال شتى. ومن عرف ذلك عن نفسه أحسن التعبير عن حدوده بأدب ولين دون صدام.
ومن اللطائف أن بعض الناس يرون القرد يعبث بأغراضهم في أيام الانتقال من سكن إلى آخر أو عند السفر أو عند تغيير الروتين المعتاد. وفي هذه الظروف تكثر الأمتعة المبعثرة وتتراكم المهام، فيتسرب ذلك إلى المنام في صورة قرد يقلب كل شيء. ومن نظر إلى الأمر هذه النظرة وجد أن الحلم لا يحتاج إلى تفسير معقد، فهو صدى مباشر لانشغال اليقظة. وبعد أن تستقر الأمور وتعود الأشياء إلى أماكنها يزول الحلم من تلقاء نفسه في الغالب.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ، ولا يصح أن يكون أساساً لأي قرار حقيقي. فعلى الرائي أن يقابل ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يتوكل عليه في تدبير شؤونه. والغيب كله لله لا يعلمه سواه، وما يخبئه الغد لا يعرفه إلا هو سبحانه.
