قد يجد الحالم نفسه في المنام هدفاً لقرد يرميه بثمار الفاكهة، تتساقط حوله أو تصيبه، فيتراوح شعوره بين الضحك والانزعاج. وهذا المشهد يختلف عن مجرد رؤية قرد يلقي شيئاً في الفضاء، لأن الرائي هنا هو المقصود بالرمي، وهذا يضفي على الحلم طابعاً شخصياً. ومع ذلك فإن التفسير يبقى رمزياً لا حرفياً، فهو لا يخبر عن واقعة محددة ولا يدل على أن أحداً سيفعل شيئاً بعينه. وهو في الأغلب صدى لشعور بالانتباه أو المداعبة أو الضيق الخفيف يمر به صاحبه.
والقرد في الرموز عند من تكلموا في هذا الباب يرتبط بالمرح والعبث والتقليد وسرعة الحركة. وحين يوجه الرمي نحو الرائي فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة لما يلفت انتباهه ويطلب منه التفاعل، كمزاح من أحد المقربين أو مهمة صغيرة تلح عليه. والفاكهة في عرف كثير من الناس رمز للخير اليسير والمتعة، فإذا جاءت في صورة رمي صارت المنفعة مصحوبة بشيء من المشاكسة. وكأن الحلم يقول إن بعض ما يأتي إلينا يأتي معه قدر من الإزعاج الخفيف.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على خفة وقلة جدية، وأن الفاكهة في المنام قد تدل عند بعضهم على أرزاق تختلف باختلاف نوعها وحالها. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يُرمى به الإنسان في المنام قد يُحمل على كلام أو معاملة تصل إليه، بحسب ما أصابه منه. وقد اختلف المفسرون اختلافاً كبيراً في ذلك، فلا يصح الجزم بقول. ومرجع الأمر كله إلى السلوك والأحوال العامة، فلا يجوز أن يُنسب القرد إلى أحد من الناس أو يُتهم به إنسان.
ويتغير التأويل بنوع الفاكهة. فالفاكهة الحلوة الناضجة تميل إلى معنى المتعة والخير اليسير، والحامضة تميل إلى معنى الضيق الخفيف أو المزاح الثقيل، والعفنة تميل إلى معنى ما لا يطيب. وتؤثر الكثرة والقلة، فالقليل مداعبة عابرة والكثير إلحاح وازدحام. كما يؤثر موضع الإصابة وقوتها، فالتي تسقط قريباً دون أن تؤلم تدل على أمر هين، والتي تؤلم تدل على ما يستدعي الانتباه. وللمكان أثر كذلك، فالحديقة تميل إلى المرح والشارع إلى الاحتكاك.
وفي حالات الرائين يتغير المعنى. فالمرأة غير المتزوجة قد تعبر عندها هذه الصورة عن اهتمام من حولها وتعليقاتهم المرحة أو الملحة. والمتزوجة قد ترى فيها صورة لمداعبات الأبناء أو إلحاحهم عليها. والحامل قد تعبر عندها عن رغبتها في الفاكهة أو عن الأرق الذي يطرأ في بعض الأشهر. والرجل قد ترتبط عنده بمزاح الأصدقاء ومطالب العمل. وكلها قراءات تقريبية تُترك لتقدير صاحبها.
ومن التفاصيل المهمة ردة فعل الرائي، فإن ضحك والتقط الفاكهة فقد يدل على قدرة على استقبال الأمور بروح رياضية. وإن غضب أو هرب فقد يدل على حساسية من الإلحاح. وإن رمى القرد بالمثل فقد يكون في ذلك ميل إلى الرد الخفيف على المزاح. وإن وقف جامداً فربما كان متردداً في موقف يحتاج إلى حسم. ومن التفاصيل أيضاً عدد القرود، فالواحد يعبر عن مصدر واحد للإلحاح، والجماعة عن أكثر من مصدر.
ومن الناحية النفسية يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى تقبل المزاح والمشاكسة الخفيفة بصدر رحب، فليس كل ما يصل إلينا من الناس قصداً لإيذائنا. وكثير من الناس يعبرون عن مودتهم بطرق مرحة قد لا تروق لنا. وفي الوقت نفسه، لا بأس بأن يضع الإنسان حدوداً أدبية إذا زاد الأمر عن الحد. والتوازن بين سعة الصدر وحفظ الكرامة من علامات النضج الاجتماعي.
ويُلاحظ أن الفاكهة التي يُرمى بها الإنسان في المنام قد تعكس ما يتناوله من طعام قبل النوم أو ما يشاهده من مقاطع مسلية. فكثيراً ما تتكون الصور من بقايا اليوم. ومن عرف ذلك لم يبالغ في البحث عن معنى عميق، وتعامل مع الحلم بخفة. وإذا كان ثمة شعور بالإزعاج متكرر في الواقع فعليه أن يتناول أمره في اليقظة بحكمة وهدوء لا في المنام.
وقد يكون في الحلم تذكير بالتواضع وسعة الصدر، فمن أخذ نفسه بالجد كله لم يحتمل مزاح الحياة. ومن اعتاد أن يضحك على نفسه قبل أن يضحك عليه غيره، كان أقرب إلى السلام الداخلي. وهذه حكمة معروفة بين الناس، لا يتوقف فهمها على رؤية القرد أو غيره. ويكفي الرائي أن يأخذ منها ما يناسب حاله.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون سنداً لقرار حقيقي أو سبباً لسوء ظن بأحد. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله أن يرزقه سعة الصدر وراحة البال. وأما ما يخبئه المستقبل فهو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده.
