قد يسمع النائم في منامه قرداً يصرخ بصوت حاد متكرر، فيستيقظ وفي أذنه صدى ذلك الضجيج. وهذه الرؤية تزعج بعض الناس لأن الصراخ مرتبط في الأذهان بالخوف والتنبيه. وينبغي أن نقول من البداية إن التفسير رمزي لا حرفي، فصراخ القرد في المنام ليس نذير شر ولا علامة خطر، وإنما هو عنصر في صورة قد تعبّر عن مشاعر أو أجواء، ونستعرض ما قيل في ذلك بتحفظ وهدوء.
الصراخ في عالم الرؤى كثيراً ما يرتبط بالتعبير عن الانفعال والحاجة إلى لفت الانتباه، وقد يدل على توتر مكتوم يبحث عن مخرج. وإذا صدر من قرد، فقد يعبّر عن ضجيج مصدره أمور صغيرة كثيرة تتراكم حتى تصير إزعاجاً. وقد يرمز إلى شخص أو حالة تحاول أن تُسمع بأعلى صوت بلا مضمون عميق، أو إلى إلحاح على الرائي من جهة ما. وكل هذا وصف لحال سلوك أو شعور وليس حكماً على أحد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن أصوات الحيوان في المنام قد تدل على كلام أو ضجة من جهة ما، وأن الصراخ أشد في دلالته من الصوت الهادئ. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأصوات الحادة قد تشير إلى تنبيه أو إزعاج. وقد اختلف المفسرون في هذه الأمور ولم يتفقوا على تفصيل ثابت، فتُعد أقوالهم اجتهادات في فهم الانفعال وليست مسلّمات.
ويتغير المعنى بتغير سبب الصراخ وحال القرد. فإن كان يصرخ في وجه الرائي فقد يعكس شعوراً بإلحاح أو مطالب كثيرة موجهة إليه، وإن كان يصرخ بعيداً فقد يدل على ضجيج لا يخصه. وإن كان يصرخ وهو خائف فقد يرمز إلى قلق مكبوت، وإن كان يصرخ مرحاً فهو أقرب إلى ضجة لعب. والمكان كذلك مهم، فصراخ في بيت يختلف عن صراخ في غابة، ومشاعر الرائي هي المرجع الأهم.
وللرجل قد يكون القرد الصارخ صدى لضغوط العمل وكثرة الأصوات المطالبة، وقد يدعوه إلى أن يخفف عن نفسه ويعيد ترتيب أولوياته. وللتاجر قد يعكس ضجيج السوق وتزاحم المطالب، ولا يُبنى على ذلك قرار تجاري. وإن كان الرائي ممن يكبتون غضبهم فقد يكون الصراخ إشارة إلى حاجته للتعبير الهادئ عما يضايقه، بالحوار لا بالانفعال.
وللمرأة المتزوجة قد يرمز الصراخ إلى ضجيج البيت وكثرة المهام، أو إلى حاجتها إلى وقت هادئ لنفسها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن توتر من ضغوط الدراسة أو توقعات الآخرين. وللحامل قد يأتي هذا المشهد في فترات القلق الطبيعي، فتهدئ نفسها بالدعاء والراحة ولا تفسره على أنه نذير. ومن الأفضل لكل رائية أن تنظر إلى الصراخ على أنه أثر من آثار التعب.
ومن التفاصيل الدقيقة نبرة الصوت: حاد أم متقطع؟ مستمر أم عابر؟ وهل ينتهي بانتهاء حركة القرد أم يبقى في الأذن بعد الاستيقاظ؟ فالصوت العابر قد يدل على أمر صغير، والمستمر قد يشير إلى انشغال متواصل. وهل يلتفت القرد إلى الرائي وهو يصرخ؟ وهل يقترب أم يبتعد؟ هذه كلها ملامح تأمل ظنية تساعد على فهم الجو العام للرؤية.
وعلى المستوى النفسي قد يتساءل الرائي: ما الضجيج الذي يحيط بي في يقظتي؟ وهل أحتاج إلى فترة صمت أو إلى إغلاق بعض المصادر المشتتة؟ فالقرد الصارخ قد يذكّر بأن الضجة الكثيرة لا تعني أهمية، وأن الأمور المهمة كثيراً ما تُقال بهدوء. ومن الحكمة أن يحفظ الإنسان سكينته، وأن يتعلم الإنصات، وأن يبتسم للضجة العابرة، وأن ينظم وقته وأغراضه حتى لا تتراكم المشاغل.
وقد يكون الصراخ في الحلم أثراً لصوت حقيقي سمعه النائم من حوله أثناء نومه، كصوت جار أو سيارة أو تلفاز، فيصوغه العقل في صورة قرد. وهذا من أوضح ما يفسر ظهور أصوات حادة في الأحلام. فإن كان الأمر كذلك فلا داعي للبحث عن معنى عميق، ويكفي أن يهيئ الإنسان لنفسه جواً هادئاً للنوم، وأن يذكر الله قبل أن ينام، فهو أدعى للسكينة.
ومن الأمور التي قد تخفف وقع هذه الرؤية أن الصراخ في المنام كثيراً ما يكون بلا صوت حقيقي، فيشعر النائم بأنه يسمعه بينما هو شعور داخلي فحسب. وهذا يعني أن الأمر أقرب إلى انطباع نفسي منه إلى حدث. فإذا استيقظ الرائي وفي صدره ثقل، فليشرب ماء، وليتنفس بعمق، وليذكر الله، ثم ليتحدث مع من يثق به إن كان في قلبه ما يشغله. فالحديث يخفف من وطأة المشاعر المكبوتة، والذكر يمنح الطمأنينة، وهذا أنفع من البحث الطويل في تأويل صوت عابر.
وفي الختام نكرر أن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساساً لقرار حقيقي في الحياة. والغيب مما استأثر الله بعلمه، فلا تكشفه الأحلام. فمن رأى ما أزعجه فليدع الله بالسكينة ويحسن الظن به، وليترك الهواجس وراءه ويمضِ في شؤونه بهدوء وتوكل.
